مثل للضال والمهتدي أو الجاهل والعالم أو مدّعي المستحيل كالألوهية والملكية ومدعي المستقيم كالنبوة .
أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ
( 50 ) فتهتدوا أو فتميزوا بين ادّعاء الحق والباطل أو فتعلموا أن اتباع الوحي مما لا محيص عنه .
وَأَنْذِرْ بِهِ
الضمير لما يوحى إليّ
الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ
هم المؤمنون المفرطون في العمل أو المجوزون للحشر مؤمنا كان أو كافرا مقرا به أو مترددا فيه ، فإن الإنذار ينجع فيهم دون الفارغين الجازمين باستحالته .
لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ
في موضع الحال من يحشروا فإن المخوف هو الحشر على هذه الحال .
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
( 51 ) لكي يتقوا .
شرح
[ النساء : 105 ] والباطن ما ينال بالاجتهاد وبالتأمل في الأحكام المنصوص عليها وجعل اجتهاده عليه الصلاة والسّلام وحيا باعتبار المآل فإن تقريره عليه الصلاة والسّلام على اجتهاده يدل على أنه هو الحق كما إذا ثبت بالوحي ابتداء . وأبي الأشعرية وأكثر المعتزلة والمتكلمين أن حكمه عليه الصلاة والسّلام بالاجتهاد . قوله : ( مثل للضال والمهتدي ) فإنه عليه الصلاة والسّلام لما وصف نفسه بكونه متبعا للوحي الإلهي لزم منه أن يصف نفسه بالاهتداء ويصف من عانده واستبعد دعواه بالضلال ، ولزم منه أيضا أن يصف نفسه بأنه عالم حيث علمه اللّه بالوحي ويصف من لم يتبع الوحي بالجهل حيث لم يقبلوا الوحي فأمره اللّه تعالى أن يقول للمعاندين : هل يستوي الضال والمهتدي أو هل يستوي العالم والجاهل ، وعلى التقديرين يكون قوله تعالى :قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُمتعلقا بقوله :إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّقوله : ( أو مدّعي المستحيل والمستقيم ) فإن الأول كالأعمى حيث يخبط خبط عشواء ولا يميز بين المستحيل والمستقيم ، ومدعي المستقيم كالبصير حيث يمشي على بصيرة وتمييز بين ما يكون وما لا يكونأَ فَلا تَتَفَكَّرُونَفتهتدوا باتباع الوحي والعمل بمقتضاه أو فتميزوا بين ادّعاء الحق والباطل فإن منشأ استبعادكم دعواي إنما هو عدم التمييز بينهما فعلى هذا يتعلق قوله :أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَبقوله :قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِوعلى قوله : « أو فتعلموا أن اتباع الوحي مما لا محيص عنه » يكون متعلقا بقوله :إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّكأنه قيل : أفلا تتفكرون فتعلموا وجوب اتباعي لأني لا اتبع إلا ما يوحى إليّ . قوله : ( في موضع الحال من يحشروا ) إن كان المراد من الذين يخافون الكفار فالكلام ظاهر لأن الظالمين ليس لهم من حميم ولا شفيع يطاع ، وأما إن كان المراد بهم المسلمين فقوله تعالى :لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌينافي مذهب أهل السنة في إثبات الشفاعة للمؤمنين فلا بد أن يقال : شفاعة الملائكة والرسل للمؤمنين إنما تكون بإذن اللّه تعالى فكانت الشفاعة في الحقيقة من اللّه .