يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ
بالطاعة
إِذا دَعاكُمْ
وحد الضمير فيه لما سبق ولأن دعوة اللّه تسمع من الرسول . روي أنه عليه السّلام مرّ على أبي سعيد الخدري وهو يصلي فدعاه فعجل في صلاته ثم جاء فقال : « ما منعك عن إجابتي » ؟
قال : كنت أصلي . قال : « ألم تخير فيما أوحي إليّ
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ .
واختلف فيه ؛ فقيل : هذا لأن إجابته لا تقطع الصلاة فإن الصلاة أيضا إجابة . وقيل : إن دعاءه كان لأمر لم يحتمل التأخير وللمصلي أن يقطع الصلاة لمثله . وظاهر الحديث يناسب الأول .
لِما يُحْيِيكُمْ
من العلوم الدينية فإنها حياة القلب والجهل موته . قال :
لا تعجبنّ الجهول حلّته * فذاك ميت وثوبه كفن
أو مما يورثكم الحياة الأبدية في النعيم الدائم من العقائد والأعمال أو من الجهاد فإنه سبب بقائكم إذ لو تركوه لغلبهم العدوّ وقتلهم أو الشهادة لقوله تعالى :
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ آل عمران : 169 ]
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
تمثيل لغاية قربه من العبد كقوله :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
[ ق : 16 ] وتنبيه على أنه مطّلع على مكنونات القلوب ما عسى يغفل عنه صاحبها ، أو حثّ على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها قبل أن يحول اللّه بينه وبين قلبه بالموت أو غيره أو تصوير
شرح
قوله تعالى :( اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ )أي أجيبوا اللّه تعالى ورسوله بالطاعة كما في قوله :وداع دعايا من يجيب إلى الندا * فلم يستجبه عند ذاك مجيبقوله : ( واختلف فيه ) أي في جواز قطع الصلاة لإجابة الداعي . فقيل : إنه مختص باستجابة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ولا يجوز قطع الصلاة لإجابة غيره . وقيل : إنه لا يختص به عليه الصلاة والسّلام بل يجوز لكل مصل أن يقطع صلاته لأمر لا يحتمل التأخير كإنجاز الغريق مثلا . قوله تعالى :( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ )قال صاحب الكشاف في تفسيره :
يعني أن اللّه تعالى يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها وهي فرصة التمكن من إخلاص القلب ومصالحة أدوائه وعلله ورده سليما كما يرده اللّه تعالى ، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة اللّه ورسوله . ثم قال : والجبرية على أنه يحول بين المرء والإيمان إذا كفر وبينه وبين الكفر إذا آمن تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . قال المحقق التفتازاني رحمه اللّه تعالى : ما ذكره من قوله : « إنه يميته » هو تأويل المعتزلة وعند أهل السنة أنه تعالى يحول بين الكافر وطاعته حتى إذا أراد أن يؤمن واللّه لا يريد إيمانه حال بينه وبين قلبه كيف شاء ، وكذا إذا أراد المؤمن أن يكفر ولم يرد اللّه كفره وبالجملة فالسعيد من أسعده اللّه والشقي من أضله اللّه والقلوب بيد اللّه يقلبها كيف يشاء . وهذا منقول عن ابن عباس والضحاك رضي اللّه تعالى