بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ
الإضراب عن إرادة الإيمان المفهوم من التمني . والمعنى إنه ظهر لهم ما كانوا يخفون من نفاقهم أو قبائح أعمالهم فتمنوا ذلك ضجرا لا عزما على أنهم لو ردّوا لأمنوا .
وَلَوْ رُدُّوا
أي إلى الدنيا بعد الوقوف والظهور
لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
من الكفر والمعاصي .
وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
( 28 ) فيما
شرح
الفعل فلا بد أن يجعل معطوفا على المصدر المتوهم المدلول عليه بالفعل المذكور قبلها والتقدير : يا ليت لنا ردا وانتفاء تكذيب بآيات ربنا وكونا من المؤمنين أي ليت لنا ردا مع هذين الشيئين ، فتكون هذه الأشياء الثلاثة بقيد الاجتماع متمني القوم وابن عامر اعتبر في رفع « ولا نكذب » ما اعتبر من رفع الفعلين جميعا واعتبر في نصب « ونكون » ما اعتبر من نصب الفعلين . قوله : ( الإضراب عن إرادة الإيمان ) يعني أن كلمة « بل » هنا ليست للانتقال من قصة إلى أخرى بل هي لإبطال كلام الكفرة أي ليس الأمر كما قالوه من أنهم لو ردوا إلى الدنيا لآمنوا يعني أن التمني الواقع منهم يوم القيامة ليس لأجل كونهم راغبين في الإيمان بل لأجل خوفهم من العقاب الذي شاهدوه وعاينوه فإنهم لما قالوا : يا ليتنا نكون كذا فكأنهم قالوا :
أردنا لذلك فأبطل اللّه تعالى هذا الكلام الضمني لهم . وهذا يدل على أن الرغبة في الإيمان والطاعة لا تنفع إلا إذا كانت تلك الرغبة رغبة فيه لكونه إيمانا وطاعة . وأما الرغبة فيه لطلب الثواب وللخوف من العقاب فغير مفيدة . قوله : ( ما كانوا يخفون من نفاقهم ) على أن يكون الضمير « أن » أعني المجرور والمرفوع في قوله تعالى :بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَللمنافقين بناء على أنهم هم الذين يخفون في الدنيا ما هم عليه بخلاف المشركين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى فإنهم لا يخفون أمرهم في الدنيا حتى يقال فيهم : بدا لهم يوم القيامة ما أخفوه في الدنيا إلا أن المراد بظهور ما أخفوه لهم ظهور عقوبة ما أخفوه لهم لأن المنافقين وإن أخفوا نفاقهم عن الخلق إلا أنه كان ظاهرا ومعلوما لهم فلا وجه لأن يقال في حقهم بل بدا لهم ما أخفوه . وقوله : « أو قبائح أعمالهم » على أن يراد بالضميرين ما عدا المنافقين من المشركين وأهل الكتاب فإن المشركين يجحدون ويخفون شركهم في بعض مواقف القيامة بقولهم :وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَفينطق اللّه جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر ، وكذا أهل الكتاب يخفون نبوة رسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فبدا لهم وبال ذلك وعقوبته .
قوله تعالى :( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ )فإن قيل : إن أهل القيامة قد عرفوا اللّه تعالى بالضرورة وشاهدوا العقاب فمع هذه الأحوال كيف يمكن أن يقال : إنهم يعودون إلى الكفر والمعصية ؟ أجيب بأنه لا راد لما قضاه اللّه تعالى ولا مبدل لما حكم فمن جرى القضاء الأزلي على شركه وغلبت عليه شقوته فلا جرم يصدر منه حكم ذلك القضاء ولا ينفعه العلم