لَكاذِبُونَ
[ الأنعام : 28 ] راجع إلى ما تضمنه التمني من الوعد . ونصبهما حمزة ويعقوب وحفص على الجواب بإضمار « أن » بعد الواو إجراء لها مجرى الفاء . وقرأ ابن عامر برفع الأول على العطف ونصب الثاني على الجواب .
شرح
تركتني فيه أو لم تتركني . والوجه الثاني أن يكون كل واحد من الفعلين معطوفا على « نرد » وداخلا في التمني على أنه تعالى حكى عنهم أنهم تمنوا ثلاثة أشياء : الرد إلى دار الدنيا ، وعدم تكذيبهم بآيات ربهم ، وكونهم من المؤمنين . والوجه الثالث أن تكون الواو واو الحال على أن يكون المضارع خبر مبتدأ محذوف وتكون الجملة الاسمية في محل النصب على الحالية من مرفوع « نرد » والتقدير : يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين فيكون تمني الرد مقيدا بهاتين الحالتين فيكون كل واحد داخلا في التمني وهو المناسب بالمقام لأن الكفار لما عاينوا الشدائد المترتبة على تقصيراتهم الواقعة في الدنيا تمنوا العود إلى الدنيا لتدارك تلك التقصيرات وذلك التدارك لا يحصل بمجرد العود إلى الدنيا ولا بمجرد الأمرين عدم التكذيب والإتيان بالإيمان بل إنما يحصل بمجموع الأمور الثلاثة فوجب إدخال كل واحد من الأفعال الثلاثة في التمني إلا أن المصنف قدم الوجه الأول لأن اللّه تعالى كذبهم بقوله :وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ[ الأنعام : 28 ] والمتمني لا يجوز تكذيبه إذ التمني إنشاء والإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب وهذا الإشكال لما ورد على الوجهين الأخيرين أشار المصنف إلى جوابه بقوله :
« وقوله وإنهم لكاذبون راجع إلى ما تضمنه التمني من الوعد » فإن قولهم يا ليتنا نرد يتضمن الوعد بأنا لو رددنا إلى الدنيا لآمنا وما كذبنا والتكذيب راجع إلى هذا الخبر الضمني . قوله :
( ونصبهما حمزة ويعقوب وحفص ) عن عاصم بإضمار « إن » بعد واو العطف الواقعة بعد التمني نحو : ليت لي مالا وأنفق منه ، فإن المتمني مجموع الأمرين حصول المال والإنفاق معا لأن شرط إضمار « أن » بعد الواو أن يصح وقوع « مع » في مكانها . قوله : ( إجراء لها مجرى الفاء ) علة لقوله : « نصبهما على الجواب » أي على جواب التمني . ووجه التعليل أن وقوع الفاء السببية في جواب الأشياء الستة أمر معقول لأن تلك الأشياء لدلالتها على مصدر غير محقق الوقوع وكون ذلك المصدر مؤديا إلى حصول ما ذكر بعد الفاء كان ما ذكر قبل الفاء بمنزلة الشرط الذي هو غير محقق الوقوع وكان ما بعد الفاء كجزاء ذلك الشرط فكان نصب الفعل بعد الفاء الواقعة عقيب تلك الأشياء على جهة كونه جوابا لها أمرا معقولا بخلاف نصبه بعد الواو فإن الواو لا تذكر في جواب الشرط حتى يجعل كون ما قبلها وما بعدها بمنزلة الشرط ، والجزاء باعثا لانتصاب الفعل بعدها على جهة الجوابية بل هي حرف عطف عطف بها الفعل المنصوب بإضماران المصدرية فيكون المعطوف في تأويل المصدر والمعطوف لا بد له من معطوف عليه ، وليس قبلها في الآية إلا فعل والاسم لا يعطف على