يموتون أو يخلدون في الجنة . واستدل به على فضل الملائكة على الأنبياء . وجوابه أنه كان من المعلوم أن الحقائق لا تنقلب وإنما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما أيضا ما للملائكة من الكمالات الفطرية والاستغناء عن الأطعمة والأشربة وذلك لا يدل على فضلهم مطلقا .
وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ
( 21 ) أي أقسم لهما على ذلك وأخرجه على زنة المفاعلة للمبالغة . وقيل : أقسما له بالقبول . وقيل : أقسما عليه باللّه إنه لمن الناصحين فأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة .
فَدَلَّاهُما
فنزلهما إلى الأكل من الشجرة .
شرح
قوله : ( واستدل به على فضل الملائكة على الأنبياء ) ووجه الاستدلال أن الملائكة لو لم تكن أفضل من البشر عندهما لما ارتكبا المنهي ليكتسبا تلك المرتبة ؟ وأجيب عنه بأن رغبتهما في الأكل ليس لأن يكونا ملكين حقيقة لأن استحالة انقلاب الحقائق مركوزة في العقول فلا يتم الاستدلال ، بل إنما كان رغبتهما في أن يحصل لهما أيضا ما للملائكة من الكمالات المختصة بهم كلطافة البنية والاستغناء عن الأطعمة والأشربة ونحوهما كالقدرة والقوة وكونهما من سكان العرش والكرسي . وفضل الملائكة من بعض الوجوه لا يدل على فضلهم مطلقا لجواز أن يكون لنوع البشر فضائل أخر راجحة على ما للملك . فإن قيل : كيف طمع آدم فيما للملائكة مع أنه شاهد الملائكة متواضعين ساجدين له معترفين بفضله ؟ أجيب بأنه يحتمل أن يكون الملائكة الساجدون له ملائكة الأرض فقطع فطمع آدم عليه الصلاة والسّلام في أن يكون من ملائكة السماوات وسكان العرش والكرسي والملائكة المقربين ، وعلى تقدير أن يكون الساجدون له جميع الملائكة يجوز أن يختصوا بفضائل ليست لآدم فرغب في أن يكون له أيضا تلك الفضائل . وقيل : إن آدم عليه الصلاة والسّلام علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة ولم يعلم ذلك لنفسه فرغب في أن يكون له من الخلود ما كان للملائكة . قوله : ( أقسم لهما ) يعني أن القسم إنما وقع من إبليس فقط إلا أنه عبّر عن أقسامه بزنة المفاعلة للدلالة على أنه اجتهد في القسم اجتهاد المقاسم المغالب فيه . قوله :
( وقيل أقسما له بالقبول ) أي كما أقسم هو لهما أنه لمن الناصحين فزنة المفاعلة على بابها .
قوله : ( وقيل أقسما عليه ) أي حملاه على أن يقسم باللّه إنه لمن الناصحين بأن قالا له :
أتقسم باللّه على أنك من الناصحين ، فأقسم لهما باللّه فخدعهما بذلك فإن اللائق بحال المؤمن أن يخدع باليمين باللّه تعالى لتمكن عظمة اسم اللّه تعالى في قلبه . فظاهر صيغة المقاسمة وإن اقتضى تحقق الفعل من الجانبين والمتحقق من أحد الفاعلين ههنا نفس اليمين ومن الآخر الحمل عليها إلا أن ذلك جعل مقاسمة على التغليب والنصح بذل المجهود في طلب الخير خاصة ، وضده الغش مأخوذ من نصح له بمعنى أخلص له الود ومنه ناصح