شرح
تيهاء وأنا أبرأ إلى اللّه تعالى وأبرىء جملة كتابه وحفطة كلامه مما رماهم به فإنه تخيل أن القراء أئمة الوجوه السبعة اختار كل منهم حرفا قرأ به اجتهادا لا نقلا ولا سماعا فلذلك غلط ابن عامر في قراءته هذه وأخذ يبين وجه غلطه بأنه اعتمد في ذلك على رسم مصحف الشام الذي أرسله عثمان رضي اللّه عنه إليها حيث رسم شركائهم فيه بالياء ، فاستدل بذلك على أنه مجرور وتعين عنده نصب أولادهم بالقياس إذ لا يضاف المصدر إلى أمرين معا فقرأه منصوبا لذلك . وقال المصنف : يريد به صاحب الكشاف وكانت له مندوحة عن نصبه إلى جره بالإضافة وإبدال الشركاء منه وكان ذلك أولى مما ارتكبه يعني ابن عامر ، من الفصل بين المضاف والمضاف إليه الذي لا يسمع في الشعر فضلا عن النثر فضلا عن الكلام المعجز .
وهذا كله كما ترى ظن من الزمخشري أن ابن عامر قرأ قراءته هذه رأيا منه وكان الصواب خلافه ولم يعلم الزمخشري أن هذه القراءة بنصب الأولاد والفصل بين المضاف والمضاف إليه مما نعلم ضرورة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قرأها على جبريل كما أنزلها عليه كذلك ثم تلاها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على عدد التواتر من الأمة ولم يزل عدد التواتر يتناقلونها ويقرأون بها خلفا عن سلف إلى أن انتهت إلى ابن عامر فقرأها أيضا كما سمعها . وهذا معتقد أهل الحق في جميع الوجوه السبعة أنها متواترة جملة وتفصيلا عن أفصح من نطق بالضاد أي عن أفصح العرب فإن النطق بحرف الضاد مختص بلغة العرب ، فإذا علمت العقيدة الصحيحة فلا مبالاة بعدها بقول الزمخشري ولا بقول أمثاله ممن لحن ابن عامر . ثم قال : قراءة ابن عامر هذه لا تخالف القياس النحوي وذلك لأن الفصل بين المضاف والمضاف إليه وإن كان عسيرا إلا أن المصدر إذا أضيف إلى معموله فهو مقدر بأن مع الفعل وبهذا التقدير عمل فإضافته إلى معموله وإن كانت محضة لكنها تشبه غير المحضة حتى قال بعض النحاة : إن إضافته ليست محضة لذلك فالحاصل أن اتصاله بالمضاف إليه ليس كاتصال غيره وقد جاء الفصل بين المضاف غير المصدر وبين المضاف إليه بالظرف كما في قول الشاعر :للّه در اليوم من لامها * يريد للّه در من لامها اليوموقوله :لأنت معتاد في الهيجا مصابرةيريد لأنت معتاد مصابرة في الهيجاء وهي الحرب . وهذه الأمثلة والشواهد ليست من كلام صاحب الانتصاف وإنما أدرجتها أنا في أثناء كلامه لتوضيح المقام وقد جاء الفصل بينهما في قوله :هما أخوا في الحرب من لا أخاله * إذا خاف يوما نبوة فدعاهما