بعث إلى كل من الثقلين رسل من جنسهم . وقيل : الرسل من الجنّ رسل الرسل إليهم كقوله تعالى :
وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ
[ الأحقاف : 29 ]
يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
يعني يوم القيامة
قالُوا
جوابا
شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا
بالجرم والعصيان وهو اعتراف منهم بالكفر واستيجاب العذاب .
وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ
( 130 ) ذمّ لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم فإنهم اغتروا بالحياة الدنيا واللذات المخذجة وأعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلّد تحذيرا للسامعين من مثل حالهم .
و
ذلِكَ
إشارة إلى إرسال الرسل وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك .
أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ
( 131 ) تعليل للحكم « وأن » مصدرية أو مخففة من الثقيلة أي الأمر ذلك لانتفاء كون ربك أو لأن الشأن لم يكن ربك مهلك أهل القرى بسبب ظلم فعلوه أو ملتبسين بظلم أو ظالما وهم غافلون لم ينبهوا برسول أو بدل من ذلك .
شرح
الخطاب فقال :يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْوهو لا يقتضي إلا أن يكون رسل الفريقين بعضا من مجموع الفريقين فإذا كان الرسل من الإنس فقط يصدق أن يقال إن رسل الفريقين بعض من مجموعهما فلم يلزم من الآية أن يكون رسول الجن من الجن فلا يصح أن يستدل بها عليه . قوله : ( وقيل الرسل من الجن رسل الرسل إليهم ) أي قيل في جواب من تمسك بظاهر الآية : إنها تدل على أن الجن أتاهم رسل منهم ولا تدل على أن أولئك الرسل هم الذين أوحى إليهم بواسطة جبريل عليه الصلاة والسّلام لجواز أن يكونوا رسل الرسل بأن تكون الرسل الموحى إليهم من الإنس إلا أنه تعالى كان يلقي الداعية في قلوب قوم من الجن إلى استماع كلام الرسل فيستمعون كلامهم ويأتون قومهم من الجن ويخبرونهم بما سمعوا من الرسل وينذرونهم به كما قال تعالى :وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ[ الأحقاف : 29 ] إلى قوله :وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ[ الأحقاف : 29 ] فأولئك الجن كانوا رسل الرسل فكانوا رسل اللّه تعالى . والدليل عليه أنه تعالى سمى رسل عيسى رسل نفسه فقال :إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ[ يس : 14 ] فلهذا وبخ اللّه تعالى مجموع الفريقين بأن قال ما عذركم في الكفر وقد أتاكم رسل منكم ، وقد قام الإجماع على أن نبينا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم مرسل إلى الثقلين وداع لكل واحد من الفريقين إلى الإيمان به وباللّه واليوم الآخر . قوله :
( وهو خبر مبتدأ محذوف ) ولا يبعد أن يقال : إن ذلك مبتدأ وإن لم يكن خبره على حذف اللام أي ذلك الإرسال لأجل أن لم يكن . قوله : ( أو ملتبسين بظلم أو ظالما ) على الأول