المجرور لمن أو اللّه وعموم المتقين ناب مناب الراجع من الجزاء إلى من وأشعر بأن التقوى ملاك الأمر ، وهو يعم الوفاء وغيره من أداء الواجبات والاجتناب عن المناهي .
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ
يستبدلون
بِعَهْدِ اللَّهِ
بما عاهدوا اللّه عليه من الإيمان بالرسول والوفاء بالأمانات .
وَأَيْمانِهِمْ
وبما حلفوا به من قولهم : واللّه لنؤمنن به ولننصرنه
ثَمَناً قَلِيلًا
متاع الدنيا
أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
بما يسرهم أو بشيء أصلا وأن الملائكة يسألونهم يوم القيامة أو لا ينتفعون بكلمات اللّه وآياته . والظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم لقوله :
وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
فإن من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه وعن المتكلم معه والالتفات نحوه كما أن من اعتدّ بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه .
وَلا يُزَكِّيهِمْ
ولا يثني عليهم بالجميل .
شرح
قوله : ( وهم يعم الوفاء ) أي التقوى يعم وفاء ما عاهدوا اللّه عليه من الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسّلام وبما جاء به مما يتعلق بتكميل القوة النظرية والعملية فعطف قوله :وَاتَّقىعلى ما قبله من عطف العام على الخاص تكميلا للفائدة .
قوله تعالى :( لا خَلاقَ لَهُمْ )أي من اختار الارتشاء على الوفاء برعاية اللّه ورعاية إيمانه واستبدله به فأولئك لا نصيب لهم في الآخرة ونعيمها . قال الإمام : هذا العموم مشروط بإجماع الأمة بعدم التوبة فإنه إن تاب عنها سقط الوعيد بالإجماع . وعلى مذهبنا مشروط أيضا بعدم العفو فإنه تعالى قال :إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ[ النساء : 48 ] . قوله : ( ولا يكلمهم اللّه ) أي بكلام ينفعهم ويسرهم قيد به دفعا لما يتوهم من التدافع بين هذه الآية وبين قوله تعالى :فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ[ الحجر : 92 ، 93 ] وقوله :فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ[ الأعراف : 6 ] وأجاب عنه ثانيا بقوله : « أو بشيء أصلا » فإنه لا يبعد أن يخص أولياءه بكلامه بغير سفير وواسطة تشريفا لهم ولا يكلم الكفرة والفساق كذلك وتكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة .
وثالثا بأنه من قبيل نفي الشيء بمعنى أن لا ينتفع به . ورابعا بأن نفي تكليمه إياهم كناية عن سخطه وغضبه لأن ترك الكلم لازم للسخط فأطلق لينتقل منه إلى الملزوم واستشهد على كونه كناية عن غضبه عليهم بقوله : « ولا ينظر إليهم يوم القيامة » فإن النظر عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي طلبا لرؤيته ، والنظر بهذا المعنى محال في حق البارىء تعالى فلا يمكن حمله على معناه الحقيقي ولا جعله كناية عن السخط والاستهانة بخلاف عدم التكلم فإنه يصح كونه كناية عن السخط لجواز إرادة معناه الحقيقي . وإذا كان المراد بأحد اللفظين السخط والاستهانة كان ذلك شاهدا على أن المراد باللفظ الآخر أيضا ذلك . قوله : ( ولا يثني عليهم )