وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ
بإيثاره ما يدعوه إليه على ما أمره اللّه به ومجاوزته عن طاعة اللّه إلى طاعته .
فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً
( 119 ) إذ ضيّع رأس ماله وبدّل مكانه من الجنة بمكانه من النار .
يَعِدُهُمْ
ما لا ينجزه
وَيُمَنِّيهِمْ
ما لا ينالون
وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً
( 120 ) وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر وهذا الوعد إما بالخواطر الفاسدة أو بلسان أوليائه
أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً
( 121 ) معدلا ومهربا من حاص يحيص إذا مال عن حق وعنها حال منه وليس صلة له لأنه اسم مكان ، وإن جعل مصدرا فلا يعمل أيضا فيما قبله .
شرح
مَفْرُوضاًوقوله :وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْكل واحدة منها مقول للشيطان فلا يخلو من أن قالها بلسانه أو فعلها . قوله : ( ما لا ينجزه وما لا ينالون ) إشارة إلى أن المفعول الثاني للوعد والتمنية محذوف للعلم به وهو ما لا ينجزه نحو : طول العمر والعاقبة ونيل لذائذ الدنيا من الجاه والمال وقضاء شهوات النفس وما لا ينالون نحو : لا بعث ولا حساب ولا جزاء ونيل المثوبات الأخروية من غير عمل .
قوله : ( وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر ) يعني أن الغرور مصدر غره يغره بمعنى خدعه فيكون معناه إظهار ما يستحسن ظاهره ويحصل الندم عند انكشاف حقيقة الحال فيه .
« وغرورا » في الآية منصوب على أنه مفعول له أي ما يعدهم لشيء إلا لأجل أن يغرهم ، أو على أنه صفة مصدر محذوف أي إلا وعد إذا غرورا . وعلى أنه مصدر على غير لفظ الفعل لأن يعدهم في قوة يغرهم بوعده فإن الشيطان يزين لهم المعاصي واتباع الشهوات ويوهمهم التمكن من التوبة بناء على طول العمر والعاقبة . فمن اغتر بوعده وفتح باب اتباع الحظوظ العاجلة واللذائذ الفانية استحكم فيه خصلتان : الحرص وطول الأمل ، ومن اشتد حرصه على الشيء لم يتأت له أن يصل إليه إلا بمعصية اللّه وإيذاء خلق اللّه ولا يبالي بشيء منهما ولا يتركهما طوعا ورغبة ، ومن أطال أمله نسي الآخرة واستغرق في طلب الدنيا وتحصيل طيباتها فلا يكاد يؤثر فيه الزواجر والمواعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة . ومن فطره اللّه تعالى مستعدا لإدراك الحق وقبوله واتباعه فاغتر بوعد الشيطان وأطاعه فقد غير فطرة قلبه واستحق سخط ربه وأليم عذابه . فظهر أن ما وعده الشيطان وألقاه إليه وإن كان ظاهره مستحسنا لذيذا إلا أن عاقبته ضرر عظيم وهذا معنى الغرور . واعلم أن العمدة في إغواء الشيطان أن يزين له زخارف الدنيا ويلقي الأماني في قلب الإنسان مثل أن يلقي في قلبه أنه سيطول عمره وينال من الدنيا أمله ومقصوده ويستولي على أعدائه وسيحصل على ما تيسر لأرباب المناصب والأموال ، وكل ذلك غرور لأنه ربما لا يطول عمره . وإن طال فربما لا ينال أمله