تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
كرّره للتأكيد أو لقصّة طعمة . وقيل : جاء شيخ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : إني شيخ منك في الذنوب إلا أنّي لم أشرك باللّه شيئا منذ عرفته وآمنت به ولم اتخذ من دونه وليّا ولم أوقع المعاصي جراءة وما توهمت طرفة عين أني أعجز اللّه هربا وإني لنادم تائب فما ترى حالي عند اللّه تعالى ؟ فنزلت .
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً
( 116 ) عن الحق فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة . وإنما ذكر في الآية الأولى فقد افترى لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب ومنشأ شركهم نوع افتراء وهو دعوى التبني على اللّه عز وجل .
شرح
أن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين فإنه لا يمتنع أن لا يتبع سبيل المؤمنين ولا غير سبيل المؤمنين . أجيب عن هذا السؤال بأن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير فإذا كان من شأن غير المؤمنين أن لا يتبع سبيل المؤمنين فكل من لم يتبع سبيل المؤمنين فقد أتى بمثل فعل غير المؤمنين فوجب كونه متبعا لهم . ولقائل أن يقول : إن الاتباع ليس عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير وإلا لزم أن يقال : الأنبياء والملائكة عليهم السّلام لا يتبعون لآحاد الخلق مع أنهم يوحدون اللّه تعالى كما أن كل واحد واحد من آحاد الأمة يوحد اللّه . ومعلوم أن ذلك لا يقال بل الاتباع عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل لذلك الغير وإذا كان كذلك فمن ترك متابعة سبيل المؤمنين لأجل أنه لم يجد دليلا على وجوب متابعتهم فلا جرم لم يتبعهم فهذا الشخص لا يكون متبعا لغير سبيل المؤمنين . فهذا سؤال قوي على هذا الدليل . إلى هنا كلام الإمام . ووجه انتظام هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما فرغ من قصة الطائفة التي جادلت عن طعمة بيّن أن تناجيهم في إزلال رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام عن القضاء الحق كان لا خير فيه ونبه على أن الخير ليس إلا في فعل الخيرات وإجرائها على ما هو سبيل المؤمنين ، ثم رتب الوعيد على مخالفة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين . قوله : ( كرره للتأكيد ) يعني أن هذه الآية قد ذكرت في هذه السورة مرة والفائدة في تكرارها التأكيد . فإن هذه الآية لدلالتها على عفو ذنوب المؤمنين ومغفرتها من آيات الوعد فلما أعاده في سورة واحدة بلفظ واحد فقد أكد ما وعده في حقهم . ثم إنه تعالى ما أعاد آية من آيات الوعد باللفظ الواحد مرتين وقد أعاد هذه الآية بهذا اللفظ في سورة واحدة فدل ذلك على أنه تعالى خص جانبي الوعد والرحمة بمزيد التأكيد وذلك يقتضي ترجيح الوعد على الوعيد . والفائدة الثانية في تكرارها أن الآيات المتقدمة إنما نزلت في سارق الدرع وقوله :وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَالخ الآية إنما نزلت في ارتداده لما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه تعالى لما بيّن أن سارق الدرع هو طعمة حكم رسول اللّه عليه