تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
بِجَهالَةٍ
ملتبسين بها سفها فإنّ ارتكاب الذنب سفه وتجاهل ولذلك قيل : من عصى اللّه فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته .
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
من زمان قريب أي قبل حضور الموت لقوله تعالى :
حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
[ النساء : 18 ] وقوله عليه الصلاة والسّلام : « إنّ اللّه يقبل توبة عبده ما لم يغرغر » وسمّاه قريبا لأن أمد الحياة قريب لقوله :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
[ النساء : 77 ] أو قبل أن يشرب في قلوبهم حبّه فيطبع عليها فيتعذّر عليهم الرجوع و « من » للتبعيض أي يتوبون في أيّ جزء من الزمان القريب الذي هو ما قبل أن ينزل بهم سلطان الموت أو تزيّن السوء .
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
وعد بالوفاء بما وعد به وكتب على نفسه بقوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ
[ النساء : 17 ]
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
فهو يعلم بإخلاصهم في التوبة
حَكِيماً
( 17 ) والحكيم لا يعاقب التائب .
شرح
فهو مصر على الذنب غير تائب عنه وإن تاب وندم أشد الندامة . قوله : ( ملتبسين بها سفها ) إشارة إلى أن « بجهالة » متعلق بمحذوف منصوب على أنه حال من فاعل « يعملون » ومعنى الباء فيه المصاحبة أي ملتبسين بجهالة أي مصاحبين لها ، وإلى أن ليس المراد بالجهالة عدم العلم بأن ما عمله ذنب لأن الذين يعملون السوء من غير أن يعلموا أنه ذنب لا يستحقون العقاب فلا حاجة لهم إلى التوبة لأن الخطأ مرفوع عن هذه الأمة بل المراد بالجهالة السفه وخفة العقل . سمي السفيه الذي يرتكب المعصية مع العلم بأنها معصية جاهلا تنزيلا له منزلة الجاهل لأنه لو جرى على مقتضى علمه بالحساب والجزاء وإثابة المطيع وعقاب العاصي لما أقدم على المعصية ، فلما ارتكبها لسفهه وخفة عقله صار كأنه لا علم له فسمي جاهلا . عن قتادة أنه قال : أجمع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أن كل ما عصى به اللّه فهو جهالة وكل من عصى اللّه فهو جاهل . قال تعالى حكاية عن يوسف عليه الصلاة والسّلام :أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ[ يوسف : 33 ] وقال :هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ[ يوسف : 89 ] وقال لنوح عليه الصلاة والسّلام :إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ[ هود : 46 ] وقال موسى لبني إسرائيل حين قالوا له :أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ[ البقرة : 67 ] . قوله : ( أو قبل أن يشرب في قلوبهم حبه ) أي حب السوء . قال الإمام القشيري : قوله تعالى :ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍعلى لسان أهل العلم قبل الموت ، وعلى لسان أهل المعاملة قبل أن تتعود النفس ذلك فتصير كالطبيعة . قال قائلهم :قلت للنفس إن أردت رجوعا * فارجعي قبل أن يسد الطريقفسر المصنف رحمه اللّه الزمان القريب بأمرين : ما قبل أن ينزل بهم سلطان الموت وقهره ، وما قبل أن يروقه السوء ويتزين له . قوله : ( وعد بالوفاء بما وعد به ) دفع لما يتوهم