وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً
أوّل هذه القصّة قوله تعالى :
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها
[ البقرة : 72 ] وإنما فكت عنه وقدمت عليه لاستقلاله بنوع آخر من مساويهم ، وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة إلى الامتثال . وقصّته أنه كان فيهم شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه
شرح
قوله : ( وإذ قال موسى لقومه إن اللّه يأمركم أن تذبحوا بقرة ) الآية لما عدد اللّه تعالى ما أنعم به على بني إسرائيل من فنون نعمه استمالة لقلوبهم وبعثا لهم على الاعتراف بنعمه والاشتغال بشكرها ثم خوفهم بأن ذكرهم ما نزل بالمعتدين مما عدل لهم من المسخة والعقوبة ، شرع الآن في تقريعهم بذكر بعض قبائحهم وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة إلى الامتثال وقتل النفس المحرمة اتباعا للهوى ثم نسبة قتلها إلى من هو بريء منه بهتانا وافتراء عليه . قوله : ( أول هذه القصة قوله تعالى : وإذ قتلتم نفسا ) وذلك لأن قتلها والتدارؤ فيها بأن يدفع كل واحد منهم القتل عن نفسه وينسبه إلى غيره ويتخاصموا في شأنه كان مقدما في الوجود على الأمر بالذبح ، فكان الظاهر أن يقال : وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها ليحيى فيخبر بقاتله ، ليكون الترتيب في الذكر على حسب الترتيب في الوجود . فإن جميع ما ذكر في هذه الآيات قصة واحدة فكان الظاهر أن يكون نظمها في الذكر على حسب انتظامها في الوجود إلا أنها جعلت قصتين وقدم آخرها على أولها لكون ما قدم منها مستقلا في إفادة نوع آخر من مساويهم ، فتقديمه وجعله قصة واحدة يفيد تقريعا مستقلا بنوع من قبائح أعمالهم زائد على ما يفيده ما أخّر منها . فإن ما قدم منها يفيد تقريعهم على الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة إلى الامتثال ، وما أخّر منها وهو أول القصة يفيد تقريعهم بنوع آخر وهو قتلهم النفس المحرمة اتباعا للهوى ثم نسبة قتلها إلى من هو بريء منها بهتانا وافتراء عليه وما يترتب عليه من القبائح ، فلو روعي ترتيب الوجود لكان المجموع قصة واحدة ولفات الغرض الذي هو تكثير قبائحهم والاستقصاء في تقريعهم عليها . والتاء في البقرة ليست للتأنيث وإنما هي لتدل على أنها فرد واحد من جنس البقر كالبطة والدجاجة والحمامة ويتميز الذكر من الأنثى بالصفة يقال : بقرة ذكر وبقرة أنثى وقيل : البقرة اسم للأنثى خاصة من هذا الجنس ويقال للذكر منه : ثور فإنه كثيرا ما يفرق بين ذكور الحيوانات وإناثها بأن يوضع لكل واحد من الذكر والأنثى اسم على حدة مثل : رجل وامرأة ، وجمل وناقة ، وثور وبقرة ، وعير وأتان إلا أن الإمام أبا منصور استدل على البقرة المذكورة كانت ذكرا بقوله تعالى :إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ[ البقرة : 71 ] بناء على أن إثارة الأرض وسقي الحرث من عمل الثيران . قوله : ( فقتل ابنه بنو أخيه ) أي أبناء أخ الشيخ