بالحمار في قوله :
كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[ الجمعة : 5 ] وقوله : كونوا ليس بأمر إذ لا قدرة لهم عليه وإنما المراد به سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراد بهم .
وقرىء قردة بفتح القاف وكسر الراء ، وخاسين بغير همز .
فَجَعَلْناها
أي المسخة أو العقوبة .
نَكالًا
عبرة تنكّل المعتبر بها
شرح
أي بالطبع والختم . وهذا القول منه مخالف لما اشتهر بين الناس من أنه تعالى مسخ صورتهم حتى أن اليهود إذا سبوا يقال لهم : يا إخوة القردة والخنازير إلا أنه احتج على امتناع مسخ الصورة بأمرين : أحدهما أن الإنسان هو هذا الشكل المشاهد والبنية المحسوسة وإبطالها يكون إعداما لها وإيجاد البنية القردية ، ويرجع حاصله إلى أنه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنسانا وخلق فيها الأعراض التي كانت باعتبارها قردا ، فهو إعدام وإيجاد وليس بمسخ . وثانيهما أنّا لو جوّزنا ذلك لما آمنا في كل ما نراه قردا أو كلبا أنه كان إنسانا عاقلا وذلك يفضي إلى الشك في المشاهدات .
وأجيب عن الأول بأن الإنسان ليس هو نفس البنية المخصوصة والشكل المشاهد لأن الشكل والهيئة كثيرا ما يتبدل والإنسان موجود باق بعينه والباقي غير الزائل ، فوجب أن يكون الإنسان أمرا آخر وراء هذه البينة والشكل المخصوصين فيجوز أن يبقى ذلك الأمر مع تطرق التغير إلى هذه البنية ، وهذا هو المراد بالمسخ . وعن الثاني بأن مجرد إيجاد صورة الممسوخ مع الصورة الأصلية للنوع المباين له لا يقتضي أن نشك في المشاهدات لأن للممسوخ علامات يتميز بها عما يشاكله فثبت بما قررنا جواز النسخ وأمكن إجراء الآية على ظاهرها ولم يكن بنا حاجة إلى التأويل الذي ذكره مجاهد وإن كان ما ذكره غير مستبعد جدا لأن الإنسان إذا أصرّ على جهالته بعد ظهور الآيات وجلاء البينات قد يقال في العرف الشائع : إنه حمار أو قرد ، وإذا كان هذا المجاز من المجازات المشهورة لم يكن في المصير إليه محذور البتة . قوله : ( وقوله : كونوا ليس بأمر ) يعني أنه ليس أمر تكليف بل هو تمثيل لنفاذ إرادته تعالى وتأثير قدرته في تكون المراد بأمر الأمر المطاع للمأمور المطيع في سرعة حصول المأمور به عقيب الأمر من غير امتناع وتوقف ، فعبر عن سرعة التكوين وتأثير القدرة والإرادة من غير لبث وتوقف في الأمر المستعقب لحصول المأمور به .
قوله : ( أي المسخة أو العقوبة ) أي المذكورتين معنى لأن قوله تعالى :فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَفي معنى مسخناهم أو عاقبناهم بتحويل صورتهم إلى صورة القردة فإنه عقوبة لهم على إصرارهم على المخالفة والعصيان . قوله : ( عبرة تنكّل المعتبر بها ) أي تمنعه بمعنى أن النكال هو العقوبة التي يعاقب بها الجاني ليعتبر بها غيره فيمتنع عن ارتكاب ما فعله