بِقُوَّةٍ
بجدّ وعزيمة .
وَاذْكُرُوا ما فِيهِ
ادرسوه ولا تنسوه أو تفكروا فيه فإنه ذكر بالقلب أو اعملوا به .
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
( 63 ) لكي تتقوا المعاصي أو رجاء منكم أن
شرح
وجعلوا يلاحظون الجبل بمؤخر إحدى عينيهم وهم سجود ، فصار ذلك سنة لليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم ويقولون : بهذا السجود رفع العذاب عنا . فهذا معنى أخذ الميثاق في حال رفع الجبل فوقهم ، فإن في هذه الحالة قيل لهم : خذوا ما آتيناكم بقوة وكان فيما آتاهم اللّه تعالى الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ونظير هذه الآية قوله تعالى :وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ[ الأعراف : 171 ] والنتق الزعزعة وهي تحريك الشيء ونفضه . يقال : زعزعته فتزعزع أي حركته فتحرك ، وفرس ناتق إذا كان ينفض راكبه . فإن قيل : كيف صح أخذ ميثاقهم حال كون الجبل عليهم وهو يجري مجرى الإلجاء إلى الإيمان ، ومبنى التكليف بالإيمان على الاختيار دون الجبر والإلجاء ؟ أجيب بأن صورته صورة القسر والإلجاء إلا أنهم لما شاهدوا هذا الصنع العجيب والقدرة الباهرة حصل لهم إذعان وقبول اختياري ، فكان إيمانهم مستندا إلى النظر والاستدلال لا إلى الجبر والإلجاء .
ولو سلم أنه مستند إلى الجبر والإلجاء فلعل مثل هذه الإيمان يكون معتبرا مقبولا في الأمم السالفة . وقوله تعالى :خُذُوافي محل النصب على أنه مقول قول مضمر أي وقلنا لهم خذوا . وهذا القول المضمر يجوز أن يكون حالا من فاعل « رفعنا » والتقدير رفعنا الطور قائلين لكم خذوا ما آتيناكموه واقبلوه واعملوا بمقتضى ما فيه من التكاليف . وقوله تعالى :ما آتَيْناكُمْمفعول« خُذُوا »و« ما »موصولة بمعنى « الذي » والعائد محذوف . وقوله تعالى :بِقُوَّةٍحال من فاعل« خُذُوا »أي خذوه مجدين في الأخذ والعمل بما فيه غير متكاسلين أو من ذلك العائد المحذوف أي ملابسا بقوة وصعوبة بحيث يصعب العمل به والاجتهاد في معرفته وحفظه .
قوله : ( ادرسوه ) أي اقرؤوه مبني على أن يراد بالذكر الذكر باللسان وقوله : « أو تفكروا فيه » مبني على أن يراد به الذكر بالقلب كما صرح به بقوله : « فإنه » أي فإن التفكر ذكر القلب . قوله : ( أو اعملوا به ) فعلى هذا يكون قوله تعالى :اذْكُرُوامجازا من قبيل ذكر السبب وإرادة المسبب فإن كل واحد من معنى الذكر سبب للعمل .
قوله : ( لكي تتقوا المعاصي ) مبني على أن تكون كلمة « لعل » بمعنى « كي » التعليلية ، كما ذهب إليه الإنباري وجماعة من النحاة . وقوله : « أو رجاء منكم أن تكونوا متقين » مبني على أن تكون « لعل » بمعنى الترجي الذي هو أصل معناها . وكل واحد من المعنيين يصح سواء تعلق « لعل » بخذوا واذكروا أو بالقول المحذوف . أما على الأول فظاهر إذ لا محذور في أن يقال : خذوه مجدين وعازمين على العمل بما فيه واقرؤوا وتفكروا فيه لكي تتقوا أو