تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 669

مساهمون:

ص٦٦٩
شرح
يجعل له سبيلا إلا إلى أن يوسوس في صدورهم . لكن العرب لما زعموا أن المس والصرع يضافان إلى الشيطان والجن حقيقة وردت الآية الكريمة على زعمهم . وفي الكبير : قال الجبائي : الناس يقولون المصروع إنما حدثت به تلك الحالة لأن الشيطان يمسه ويصرعه وهو باطل لأن الشيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس . ويدل عليه وجوه : أحدها قوله تعالى حكاية عن الشيطانوَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي[ إبراهيم : 22 ] وهذا صريح في أنه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والإيذاء . وثانيها أن الشيطان ليس كثيف الجسم وإلا لوجب أن نشاهده إذ لو كان كثيفا ويحضر ثم لا يرى لجاز أن يكون بخضرتنا شموس ورعود وبروق وجبال ونحن لا نراها وذلك جهالة عظيمة لأنه لو كان جسما كثيفا كيف يمكنه أن يدخل في باطن بدن الإنسان ولو لم يكن جسما كثيفا لدخل جسما تاليا كالهواء ومثل ذلك يمتنع أن يكون فيه صلابة وقوة فيمتنع أن يكون قادرا على أن يصرع الإنسان ويقتله . وثالثها لو كان الشيطان يقدر على أن يصرع ويقتل لصح أن يفعل مثل معجزات الأنبياء وذلك يجر إلى الطعن في النبوة . ورابعها أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يصرع جميع المؤمنين ولم لا يخبطهم مع شدة عداوته لأهل الإيمان ولم لا يغصب أموالهم ويفسد أحوالهم ويزيل عقولهم وكل ذلك ظاهر الفساد . واحتج القائلون بأن الشيطان يقدر على هذه الأشياء بأمرين : الأول ما روي أن الشياطين في زمان سليمان عليه السّلام كانوا يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات على ما نطق به التنزيل . والجواب عنه أنه تعالى كثف أجسامهم في زمان سليمان عليه السّلام فعند ذلك قدروا على هذه الأعمال الشاقة وكان ذلك من جملة معجزات سليمان عليه السّلام . والثاني أن هذه الآية وهو قوله تعالى :يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّصريح في أن تخبطه من الشيطان وسبب مسه . والجواب أن الشيطان يمسه بالوسوسة المؤذية التي يحدث عندها الصرع وهو قول أيوب عليه الصلاة والسّلام :أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ[ ص : 41 ] وإنما يحدث الصرع عند تلك الوسوسة لأن اللّه تعالى خلقه عند ضعف الطبع وغلبة السوداء عليه فلا جرم يخاف ويفزع عند تلك الوسوسة كما يفزع الجبان في الموضع الخالي . ولهذا المعنى لا يوجد هذا الخبط في الفضلاء الكاملين وأهل الحزم والعقل وإنما يوجد فيمن به نقص في الدماغ وخلل في المزاج . فهذا جملة كلام الجبائي في هذا الباب . وسلك صاحب الكشاف سبيل شيخه . قال صاحب الانتصاب : هذا من تخبط الشيطان بالقدرية وزعماتهم ففي الحديث : « ما من مولود يولد إلا يمسه الشيطان فيستهل صارخا إلا مريم وابنها لقول أمهاوَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ[ آل عمران : 36 ] وفي الأحاديث مثل