كرّره مبالغة في تقبيح أمرهم وإشعارا بأن الإنزال عليهم لظلمهم بوضع غير المأمور به موضعه أو على أنفسهم بأن تركوا ما يوجب نجاتها إلى ما يوجب هلاكها .
رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
( 59 ) عذابا مقدّرا من السماء بسبب فسقهم . والرجز في أصل ما يعاف عنه وكذلك الرجس . وقرىء بالضم وهو لغة فيه . والمراد به الطاعون روي أنه مات به في ساعة أربعة وعشرون ألفا .
شرح
بلا واسطة حرف الجر ، قدر المصنف مفعوله الآخر فقال : « بدلوا بما أمروا به » قولا مغايرا له دالا على طلب ما يشتهون من أمتعة الدنيا فإنهم قد أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه ووضعوا مكانه قولا ليس معناه معنى القول الذي أمروا به بل معناه طلب ما يشتهون من أعراض الدنيا . روي أنهم قالوا بدل حطة « حنطة » . وقال مجاهد : لما قيل لهم : قولوا حطة قالوا : حطا سمقايات ، وهو بلغتهم حنطة حمراء أي مسألتنا هي ولا نطلب غيرها ، قالوه استخفافا بأمر اللّه تعالى وإعراضا عما عنده إلى ما يشتهونه من الأعراض الفانية .
قوله : ( كرره مبالغة في تقبيح أمرهم ) يعني أن مقتضى الظاهر أن يقال : فأنزلنا عليهم رجزا إلا أنه وضع الظاهر موضع المضمر مبالغة في تقبيح أمرهم لأن المذكور أولا وإن لم يكن من وضع المظهر موضع المضمر إلا أنه يفيد تقبيح أمرهم والتسجيل عليهم بالظلم ، فتكريره يفيد زيادة التقبيح فكان فيه مبالغة في التقبيح . قوله : ( أو على أنفسهم ) معطوف على قوله : « بوضع » بتقدير فعل مدلول عليه بما سبق أي ولظلمهم على أنفسهم بكذا . قوله :
( وإشعارا ) عطف على قوله : « مبالغة » . وتقريره أنه كرر قوله :الَّذِينَ ظَلَمُواإشعارا بعلية ظلمهم لإنزال الرجز عليهم ، لأن ترتيب الحكم على الوصف يدل على أن الوصف علة ذلك الحكم . ولو قيل : وأنزلنا عليهم لم يحصل الإشعار المذكور ، لأن الضمير إنما يرجع إلى ذات الموصوف مع قطع النظر عن اتصافه بذلك الوصف لا إلى الموصوف من حيث إنه موصوف فلا يحصل الإشعار بعلية الوصف . قوله : ( عذابا مقدرا من السماء ) إشارة إلى أن قوله :مِنَ السَّماءِظرف مستقر صفة لقوله :رِجْزاًفيكون متعلقا بمحذوف والباء في قوله :بِما كانُواسببية و « ما » مصدرية ويجوز أن يتعلق الظرف بقوله : أنزلنا . قوله :
( ما يعاف عنه ) أي ينفر عنه ويعد كريها يقال : عاف الرجل الشراب يعافه إذا كرهه فلم يشربه . وإنما قال في الأصل ، لأن المراد به في الآية العذاب كما ذكره . وذكر في معالم التنزيل أنه قيل : أرسل اللّه عليهم طاعونا فهلك به منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا . وكذا في الوسيط أيضا . وذكر في التيسير : أنه مات به في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألف إنسان ودام فيهم حتى بلغوا سبعين ألفا . واللّه أعلم .