تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
والمعنى يسألونك عن تعاطيهما .
قُلْ فِيهِما
أي في تعاطيهما
إِثْمٌ كَبِيرٌ
من حيث إنه يؤدي إلى الانتكاب عن المأمور وارتكاب المحظور . وقرأ حمزة والكسائي كثير بالثاء .
وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
من كسب المال والطرب والالتذاذ ومصادقة الفتيان . وفي الخمر خصوصا تشجيع الجبان
شرح
قوله : ( والمعنى يسألونك عن تعاطيهما ) يعني أن ظاهر النظم ليس صريحا في أنهم عن أي شيء سألوا . فإنه يحتمل أن يحمل على أنهم سألوا عن حقيقة الخمر والميسر وماهيتهما ، وأن يحمل على أنهم سألوا عن تناولهما هل يحل أو لا ؟ وهل يستوجب ذلك إثما وعقوبة أو لا ؟ فبين المصنف أن الأول غير مراد بل لا بد من تقدير المضاف والتقدير : يسألونك عن حكم تعاطيهما بقرينة الجواب لأن الحل والحرمة والإثم والطاعة إنما هي من عوارض أفعال المكلفين ولا إثم في ذوات الأشياء وأعيانها فلا بد أن يكون تقدير الجواب : قل في تعاطيهما إثم كبير . قوله : ( يؤدي إلى الانتكاب ) أي الإعراض والعدول . يقال : نكب عن الطريق ينكب نكوبا أي عدل ووجه تأديته إلى ما ذكر أن عقل الإنسان أشرف صفاته من حيث إن طبعه إذا حمل على التقاعد عن تحصيل الفضائل وعلى الإقدام على القبائح كان عقله مانعا من الإقدام والتقاعد المذكورين ، فلذلك سمي العقل عقلا آخذا من عقال الناقة . فإذا شرب الخمر من يزول عقله ويبقى طبعه سالما مما يعوقه ويمنعه من الجري على مقتضاه صار خاليا عن العقل العاقل له عن فعل القبائح كالإعراض عن إتيان ما أمر به والارتكاب لما نهي عنه كالمخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اجتنبوا عن الخمر فإنها أم الخبائث » . ذكر ابن أبي الدنيا أنه مر على سكران وهو يبول في يده ويغسل به وجهه كهيئة المتوضىء ويقول : الحمد للّه الذي جعل الإسلام نورا والماء طهورا . وعن ابن مرداس أنه قيل له في الجاهلية : لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جراءتك ؟ قال : ما أنا بآخذ جهلي بيدي أدخله في جوفي ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسي سفيههم . وكذا الميسر فإنه يفضي إلى العداوة أيضا لما يجري بين أصحابه من المشاتمة والمنازعة من حيث إن صاحبه إذا أخذ ماله مجانا أبغضه جدا وكفى إثما كونه مستلزما لأخذ مال الغير بالباطل ، وهو أيضا يشغل عن ذكر اللّه وعن الصلاة . ومن منافع الخمر أنهم كانوا يكسبون المال بالتجارة فيها وجلبها من النواحي وبيعها بالربح الكثير ، ومنها أنها تقوي الضعيف وتهضم الطعام وتعين على الباءة وتسلي المحزون وتشجع الجبان وتسخي البخيل وتصفي اللون وتنعش الحرارة الغريزية وتزيد في الهمة والاستعلاء . ومن منافع الميسر التوسعة على الفقراء المحتاجين لأن من قمر لا يأكل من الجزور شيئا وإنما يفرقه على المحتاجين حتى ربما كان الواحد منهم يأخذ في المجلس