تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
وهو الفضاء الواسع يتناول كل خير ، ولذلك قيل : البرّ ثلاثة : بر في عبادة اللّه تعالى ، وبرّ في مراعاة الأقارب ، وبرّ في معاملة الأجانب .
وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
وتتركونها من البرّ كالمنسيات ، وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنها نزلت في أحبار المدينة كانوا يأمرون سرّا من نصحوه باتباع محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم
شرح
قوله :أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ[ البقرة : 177 ] فذكر جملة أفعال الخير فرائضها ونوافلها ومكارم الأخلاق كلها . فالبر في ثلاثة معان : بر في معاملة اللّه تعالى وعبادته ، وبر في معاملة الأقارب ومراعاة حقوقهم ، وبر في معاملة الأجانب وإنصافهم . واشتقاقه من البر الذي هو الفضاء والسعة والفعل منه : بر يبر على فعل يفعل كعلم يعلم . قوله : ( يتناول كل خير ) يعني أن لفظ البر يطلق على كل خير لأنهم يأمرونهم بكل خير ولا يفعلونه . قال الإمام : البر اسم جامع لأعمال الخير ومنه : بر الوالدين وهي طاعتهما وعدم عقوقهما ومنه : عمل مبر ورأي قد رضيه تعالى . وقد يكون بمعنى الصدق كما يقال : بر في يمينه أي صدق ولم يحنث ، وقال تعالى :وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى[ البقرة : 189 ] فأخبر أن البر جامع للتقوى . ثم قال : واعلم أنه تعالى لما أمر بني إسرائيل بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم وعظهم عند ذلك بأن التقاعد عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول . قوله : ( وتتركونها من البر كالمنسيات ) إشارة إلى أن قوله تعالى :وَتَنْسَوْنَاستعارة تبعية بمعنى تتركونها عن حملها على ما فيه صلاحها ونفعها كالشئ المنسي بناء على تشبيه ترك أنفسهم عن الحمل على الخير بالنسيان ، من حيث إن كل واحد منهما يستلزم إهمال متعلقه وعدم رعاية حقه فاستعير له اسم النسيان ، ثم اشتق منه تنسون بمعنى تتركون . وإنما حمل على المجاز لتعذر حمله على الحقيقة لأن الإنسان لا ينسى نفسه من حيث إن علمه بنفسه علم حضوري لا يغيب عنه ، وفائدة الاستعارة المبالغة والإيذان بأنهم تركوا تذكير أنفسهم ترك المنسي الذي لا يخطر بالبال والنسيان زوال الشيء عن الحفظ وهو ضربان : إغفال بغير قصد من صاحبه وهو المعفو عنه بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان » وإغفال بقصد من صاحبه وهو أن يترك مراعاة المحفوظ حتى يذهب عنه وهو المذموم بقوله تعالى :كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى[ طه : 126 ] وبقوله عليه الصلاة والسّلام : « من حفظ القرآن ثم نسيه لقي اللّه تعالى وهو أجزم » . ولما ورد هذا الخبر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كره ابن مسعود أن يقول القائل : نسيت آية كيت وكيت وقال : ليقل : أنسيت . قوله : ( وعن ابن عباس إلى آخره ) يعني روي عنه أن المراد بالبر هو الإيمان بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بناء على أنهم إذا جاءهم أحد في الخفية لاستعلام أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا : صادق فيما يقول وأمره حق فاتبعوه ، وهم كانوا لا يتبعونه طمعا في الهدايا والصلات التي كانت تصل إليهم من أتباعهم . وفي
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 28 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين