تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
لكم يمنعكم عما تعلمون وخامة عاقبته . والعقل في الأصل الحبس سمّي به الإدراك الإنسانيّ لأنه يحبسه عما يقبح ويعقله على ما يحسن ، ثم القوة التي بها النفس تدرك هذا الإدراك . والآية ناعية على من يعظ غيره ولا يتعظ بنفسه سوء صنيعه وخبث نفسه ، وإن فعله فعل الجاهل بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل فإن الجامع بينهما تأبى عنه شكيمته . والمراد بها حث الواعظ على تزكية النفس والإقبال عليها بالتكميل ليقوم فيقيم غيره لا منع الفاسق عن الوعظ فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر .
شرح
تعقلون ، وكذا أفلم يروا أي اعموا فلم يروا . ثم إنه قد خالف هذا الأصل ووافق الجمهور في مواضع فقال فيها بما ذهبوا إليه . وفي الحواشي السعدية : فإن قيل : هذا أقوى دليل على أن قبح هذه الأشياء عقلي قلنا : على أنه شرعي حيث رتب هذا التوبيخ على ما صدر عنهم بعد تلاوة الكتاب فإنه تعالى اتبع ذمهم بحكمين محققين عنهم أحدهما قوله :وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَوتتدبرون التوراة وثانيهما قوله تعالى :أَ فَلا تَعْقِلُونَتنبيها على أن الجامع للعقل وتتبع الكتاب ليس من حقه أن يأمر الغير بما لا يفعله . قوله : ( والعقل في الأصل الحبس ) والمنع الشديد . ومنه : عقل البعير يعقله عقلا وهو أن يثني ساعده على ذراعه فيشدهما جميعا في وسط الذراع بحبل ، وذلك الحبل يسمى عقالا . والعقول بالفتح الدواء الذي يمسك البطن ، والعقيلة العنس الممنوعة من الإخراج ، واعتقل لسانه أي احتبس ثم نقل إلى معنى الإدراك لاشتماله على معنى الحبس ، ثم نقل إلى سببه وهو القوة التي تدرك بها النفس هذا الإدراك فغلب استعماله في القوة المذكورة وصار حقيقة عرفية . قوله : ( والآية ناعية ) أي مخبرة ومظهرة بسوء صنيعه وخبث نفسه يقال : فلان ينعي على فلان ذنوبه أي يظهرها وينشرها ، فإن من يدعي مصلحة وهو يجتنبها إما كاذب في دعواه وإما خبيث النفس . والآمر بالمعروف ليس بكاذب فإذا تبرأ منه تعين أنه خبيث النفس ومثله لا يقتدى به ولا يقبل قوله كما لا يقبل قول الكاذب . قوله : ( وإن فعله فعل الجاهل بالشرع ) ناظر إلى أن يكون مفعول قوله تعالى :أَ فَلا تَعْقِلُونَمحذوفا وقوله : « أو الأحمق الخالي عن العقل » ناظر إلى أن ينزل منزلة اللازم . قوله : ( فإن الجامع بينهما ) أي بين العلم بالشرع : وفضيلة العقل تأبى شكيمته عن فعل ذلك الوعظ وهو علة لكون فعله فعل من كان فاقدا لأحد الأمرين : العلم بالشرع والتحلي بالعقل ، والشكيمة في الأصل الحديدة المعترضة في فم الفرس وإباء الشكيمة مثل في عدم الانقياد في فعل من الأفعال . قوله : ( والمراد بها ) أي بالآية لما احتج بهذه الآية وبقوله تعالى :كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَعلى أنه يشترط في من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون عدلا بريئا من الفسق والمعصية . أجاب عنه بأنه ليس