ولا زكاة أمرهم بفروع الإسلام بعدما أمرهم بأصوله . وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بها ، والزكاة من زكا الزرع إذا نما . فإنّ إخراجها يستجلب بركة في المال ويثمر للنفس فضيلة الكرم ، أو من الزكاء بمعنى الطهارة فإنّها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل .
وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ
( 43 ) أي في جماعتهم فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة لما فيها من تظاهر النفوس ، وعبّر عن الصلاة بالركوع احترازا عن صلاة اليهود . وقيل : الركوع الخضوع والانقياد
شرح
على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة فتعذر حمل الآية على ظاهرها فلذلك جعل الأمر بالصلاة والزكاة مستعارا للأمر بقبولهما والاعتقاد لفرضيتهما ، لأن القبول سبب للفعل عادة وإطلاق اسم السبب على المسبب واسم المسبب على السبب شائع لغة . ويجوز أن يقال في تأويل الآية : المراد بالأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة الأمر بكونهم في حال يكون لصلاتهم وزكاتهم اعتبار بسبب كونهم في تلك الحال كأنه قيل : كونوا في حال تكون صلاتكم وزكاتكم صلاة وزكاة وهي الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به ، فيكون الأمر بإقامتهما أمرا بالإيمان لأن الأمر بالشيء أمر بما لا يتم ذلك الشيء إلا به . قوله : ( والزكاة من زكا الزرع إذا نما ) يعني أن أصلها من الزيادة وكل شيء يزداد فهو يزكو قال النابغة :وما أخرت من دنياك نقص * وما قدمت عادلك الزكاءبمعنى الزيادة . قوله : ( فإن إخراجها يستجلب بركة في المال ) بيان لوجه تسمية ما يخرج من المال للمساكين بإيجاب الشرع زكاة . يعني أن المال المخرج لهم سمي زكاة لأن إخراجه يزيد في المال الذي يخرج هو منه من حيث إنه يستجلب فيه بركة اللّه تعالى ويزيد في نفس المزكي فضيلة الكرم ، وكل واحد من البركة والفضيلة زائد على أصل المال .
قوله : ( أي في جماعتهم ) مبني على أن يكون المراد بالركوع الصلاة على طريق تسمية الكل باسم الجزء ، فإنه قد يعبر عنها بالسجود أو القيام أو التسبيح أيضا ، بهذا الطريق . ولما ورد أن يقال : على تقدير أن يكون المراد من الركوع الصلاة يكون المعنى صلوا مع المصلين فيلزم التكرار لأنه قد أمر بالصلاة أولا بقوله :وَأَقِيمُوا الصَّلاةَأشار إلى جوابه بقوله : « أي في جماعتهم » يعني أن الأول أمر بإقامة الصلاة ، والثاني أمر بفعلها في الجماعة فلا تكرار .
قوله : ( احترازا عن صلاة اليهود ) فإنهم كانوا يصلون ولا يركعون فيها فعبّر عن الصلاة بركنها المختص بصلاة المسلمين تحريضا لهم على الإتيان بصلاة المسلمين . قال الشيخ أبو منصور الماتريدي رحمه اللّه في شرح التأويلات : في الآية دلالة على وجوب أداء الصلوات