تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 11

مساهمون:

ص١١
عهد إليهم بالإيمان والعمل الصالح بنصب الدلائل وإنزال الكتب ووعد لهم بالثواب على حسناتهم وللوفاء بهما عرض عريض ، فأوّل مراتب الوفاء منا هو الإتيان بكلمتي الشهادة ،
شرح
كلامه حيث جعل العهد الأول بمعنى المعهود إليه والموصى به ، وجعل العهد الثاني بمعنى المعهود بوعدهم وجعل الوفاء بهما بمعنى تحقيقه وإيقاعه . فإذا قيل : أوف أنت بما عهد إليك أبوك ، وأريد افعل ما أمرك ووصاك به أبوك كان معنى حسنا وكلاما معقولا . قوله : ( بنصب الدلائل وإنزال الكتب ) الظاهر أنه من قبيل اللف والنشر المرتب إذ لا مدخل لنصب الدلائل العقلية في الأحكام العملية عند الأشاعرة ، فإنها لا تثبت إلا بالشرع بخلاف الأحكام الاعتقادية مثل الاعتقاد بوجود الصانع ووحدانيته وصدق رسوله فإنها لا تتوقف على الشرع اتفاقا بل العقل كاف في تحصيلها . فإنه تعالى شرف بني آدم بالعقل وركز في عقولهم حججا دالة على هذه المطالب ومكنهم من الاستدلال بها عليها ، فصار كأنه وصاهم بها وبالأحكام العملية بألسنة الرسل وبيان الكتب فإن الشرع كافل بالأمرين جميعا . قوله : ( وللوفاء بهما ) أي بكل واحد من العهدين اللذين أحدهما ما وصاهم به من الإيمان والطاعة والآخر ما وعد لهم من حسن الإثابة . فلوفاء المكلف بما وصاه اللّه تعالى به عرض عريض وكذا الوفاء اللّه تعالى بما وعد للمكلف عرض عريض كل مرتبة من مراتب وفائه تعالى بإزاء مرتبة من مراتب وفاء المكلف . فأول مرتبة من مراتب وفاء المكلف إظهار الشهادتين ويقابلها من اللّه تعالى حقن الدماء والأموال كما قال عليه الصلاة والسّلام : « من قال لا إله إلا اللّه عصم مني ماله ودمه » . وآخر مراتب المكلف ما يكون من أولياء اللّه تعالى من حفظ السطوات والخطرات عن الالتفات إلى غيره ، ويقابله من اللّه تعالى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وبين مبدأ المكلف ومنتهاه وسائط كثيرة يقابلها من اللّه مثوبات وتكريمات ، وما روي من الروايات المختلفة في بيان وفاء المكلف وما يقابله من وفاء اللّه تعالى . فمن قبيل تمثيل بعض المقام ببعض محتملاته كما ذكر إذ بين مبدأ كل واحد من وفاء المكلف ومنتهاه أمور متوسطة لكل واحدة من تلك الوسائط ما يقابلها من وفاء اللّه تعالى . والآصار جمع « إصر » وهو الثقل والمشقة فإنهم كانوا مكلفين بأمور شاقة كقطع الموضع الذي أصابته نجاسة من البدن والثوب ، وكون توبة المذنب أن يقتل وغير ذلك وقرىء « أوف » بالتشديد للمبالغة في الوفاء لما مر أن المتشعبة التي بمعنى الثلاثي تكون أبلغ منه فكأنه قال : أبالغ في الوفاء بعهدكم لما تقرر في الشرع أن ثواب الطاعات يتضاعف حسب تفاوت إخلاص العامل وتفاوت الأزمان والأماكن مع أن بناء فعل قد يكون لتكثير الفعل إن صح نحو : طوف ، وقد يكون لتكثير المفعول إن وجد نحو : وغلقت الأبواب ، وقد يكون لتكثير الفاعل نحو : موتت البهائم . وسمي نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم محمدا لكثرة الخصال الحميدة .