اللّه تعالى إياه بقوله :
وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
[ الأعراف : 23 ] والخاسر من يكون ذا كبيرة ، والسادس أنه لو لم يذنب لم يجر عليه ما جرى . والجواب من وجوه : الأول أنه لم يكن نبيا حينئذ والمدعّي مطالب بالبيان ، والثاني أن النهي للتنزيه وإنما سمّي ظالما وخاسرا لأنه ظلم نفسه وخسر حظّه بترك الأولى له وأما إسناد الغيّ والعصيان إليه فسيأتي الجواب عنه في موضعه إن شاء اللّه تعالى . وإنما أمر بالتوبة تلافيا
شرح
جهة العمد . قوله : ( فسيأتي الجواب عنه في موضعه ) أي في سورة طه في تفسير قوله تعالى :وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى[ طه : 121 ] فإن المصنف قال : « هناك فضل عن المطلوب وخاب حيث طلب الخلد بأكل الشجرة » ثم قال : « وفي النعي عليه بالعصيان والغواية مع صغر زلته تعظيم للزلة أو زجر بليغ لأولاده عنها » . انتهى كلامه . أي فكأنه قيل لهم : انظروا واعتبروا كيف يكتب على النبي المعصوم حبيب اللّه الذي لا يجوز عليه اقتراف الصغيرة المنفرة زلة بهذه الغلطة ، وفي هذا اللفظ الشنيع دلالة على قبح ما يفرط منكم من السيئات والصغائر فضلا عن أن تتجاسروا على التورط في الكبائر . وقوله : « وإنما أمر بالتوبة تلافيا » أي تداركا لما فات عنه أي من نعيم الجنة والكرامة فيها وقوله : « وجرى عليه ما جرى » أي من انتزاع لباس الجنة عنهما حتى بدت لهما سوءاتهما ومعاتبتهما وإخراجهما من الجنة بأمرهما بالهبوط إلى الأرض التي هي دار البلية ، وأول بلاياها أنها لا ينال العيش فيها إلا بكد معاتبة له على ترك الأولى لا على ارتكاب الكبيرة ، ووفاء بما قاله للملائكة قبل خلقه وهو قوله تعالى لهم :إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً[ البقرة : 30 ] وهذا القول يقتضي إخراجه من الجنة لأنه عليه السّلام لو لم يخرج منها كيف يكون خليفة في الأرض ؟ وأجاب المصنف عن الوجه الأول بأن قال : سلمنا أن ارتكابه ذلك بعد توبته وأن النهي بقوله .وَلا تَقْرَبا[ البقرة : 35 ] نهي تحريم لكن لا نسلم أن مرتكب المحرم عاص وصاحب كبيرة مطلقا وإنما يكون كذلك أن لو ارتكبه وهو ذاكر للنهي . ولا نسلم أنه عليه السّلام ارتكبه ذاكرا له وإنما فعله ناسيا له ، كما ذهب إليه طائفة من المتكلمين واحتجوا عليه بقوله تعالى :وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً[ طه : 115 ] أي فنسي العهد ولم يهتم به حتى غفل عنه ولم نجد له عزما أي تصميم رأي وثباتا على الأمر ، إذ لو كان ذا عزيمة وتصلب لم يزله الشيطان ولم يستطع تغريره . وقيل : عزما على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمد الذنب ولم نجد له عزما . ومثلوه بالصائم المشتغل بأمر يستغرق فيه فكره فيصير ساهيا عن الصوم فيأكل في أثناء ذلك السهو عن قصد ، فإن سهوه ونسيانه قد جعل عذرا في ارتكاب الأكل المحرم عليه ولم يعد ذلك كبيرة عليه ، فكذا الحال في تناوله عليه السّلام من الشجرة .
ولما ورد على هذا الجواب أن يقال : على تقدير أنه عليه الصلاة والسّلام فعله ناسيا للنهي