كتناول السّمّ على الجاهل بشأنه . لا يقال إنه باطل لقوله تعالى :
ما نَهاكُما رَبُّكُما
شرح
عن الأنبياء عليهم السّلام لعظم قدرهم ، حيث كانت حسنات الأبرار سيئات المقربين بالنسبة إليهم أو بطريق أنه تعالى قدر فعله ذلك وجعله سببا لما جرى عليه . فلما باشر السبب ناسيا كونه حراما ومنهيا رتب عليه ذلك على طريق ترتب المسبب على سببه لا على طريق المؤاخذة على ارتكاب الحرام المنهي عنه لكونه معذورا في ارتكابه بسبب نسيان النهي ، ولا على طريق المؤاخذة على ترك التحفظ عن أسباب النسيان لكونه موضوعا عن المكلف مطلقا نبيا كان أو أمة ، فإنه تعالى قد يقدر ويجعل بعض الأشياء سببا مؤديا إلى مضرة كما قدر تناول السم مؤديا إلى الهلاك . ثم نهى عباده عن مباشرة السببية فإذا باشره أحد ناسيا تلحقه المضرة المسببة عنه ولا تلحقه المؤاخذة المترتبة على ارتكاب المنهي عنه لانتفاء مخالفة الشرع ، وأما إذا باشره ذاكرا لكونه حراما منهيا عنه فحينئذ كما تلحقه المضرة المسببة عنه تلحقه المؤاخذة على ارتكاب الحرام أيضا لتعمده المعصية ، فمن تناول السم عالما بشأنه وبحرمة تناوله يلحقه الهلاك والمؤاخذة جميعا ، ومن تناوله على الجهل بشأنه وبحرمة تناوله يلحقه الهلاك دون المؤاخذة . قوله : ( لا يقال إنه ) أي الجواب بأن آدم عليه السّلام فعله ناسيا يلحقه الهالك دون المؤاخذة . قوله : ( لا يقال إنه ) أي الجواب بأن آدم عليه السّلام فعله ناسيا للنهي فلم يكن عاصيا بفعله باطل ، لأن قوله تعالى :ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ[ الأعراف : 20 ] وقوله :وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ[ الأعراف : 21 ] يدل على أنه ما كان ناسيا للنهي حال الإقدام عليه بل كانا متذكرين إياه بتذكير إبليس ذلك عند تغريره إياهما بأن في مباشرة هذا المنهي عنه نفعا عظيما وهو صيرورة المباشر ملكا وخلوده في الجنة . ثم إنهما لما لم يقبلا منه أكد تغريره إياهما بأن أقسم بأنه ناصح لهما فيما قال لهما في وجه ذلك النهي ، وكل واحد منهما يدل على أنه عليه السّلام فعله ذاكرا للنهي فيبطل القول بأنه فعله ناسيا . والجواب أن هاتين الآيتين إنما تدلان على كونه ذاكرا للنهي حال الإقدام عليه إذا قبل من إبليس ذلك الكلام وصدقه فيه وتناول من الشجرة بسبب ذلك القبول والتصديق بقرب ما سمع منه ذلك الكلام ، وليس في الآيتين ما يدل على ذلك بل الظاهر أنه رد كلامه ولم يصدقه في القسم لكونه عالما بتمرده عن سجوده له وكونه مبغضا وحاسدا له على ما أتاه اللّه تعالى من النعم . فكيف يجوز من العاقل أن يقبل قول عدوه مع أن قبول قوله في ذلك وتصديقه فيه أعظم معصية من أكل الشجرة لأن إبليس لما قال لآدم وحواء عليهما السّلام :ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِألقى لهما سوء الظن باللّه تعالى ودعاهما إلى ترك التسليم لأمره والرضى بحكمه حتى يعتقدا كون إبليس ناصحا وأن الرب سبحانه وتعالى قد غشهما ؟ ولا شك أن هذه الأشياء أعظم معصية من أكل الشجرة توجب أن يعاتبهما عليها معاتبة أشد من العتاب الواقع بمقابلة الأكل ،