تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 561

مساهمون:

ص٥٦١
محالة لأنه محتمل في نفسه غير واجب عقلا . وكرّر لفظ الهدى ولم يضمر لأنّه أراد بالثاني أعم من الأول وهو ما أتى به الرسل واقتضاه العقل ، أي فمن تبع ما أتاه مراعيا
شرح
قوله : ( وكرر لفظ الهدى ولم يضمر ) يعني أن الظاهر أن يقال : فمن تبعه بدل قوله :فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ[ البقرة : 38 ] لتقدم ذكر الهدى . وأرباب البلاغة يستقبحون تكريرا للفظة الواحدة في الجملة الواحدة ويأتون بدل الثانية بضمير يعود إلى الأولى ، فلم وضع المظهر موضع المضمر في هذه الآية ؟ فأجاب عنه بأن قباحة التكرير إنما هي إذا أريد بالثانية عين ما أريد بالأولى ، وأما إذا أريد بها مغاير لما أريد بالأولى فلا استقباح كما في هذه الآية . فإن المراد بالهدى الأول ما يكون بإرسال الرسل وإنزال الكتب لا ما يشمله ، ويشمل أيضا ما يكون بإعطاء العقل ونصب الأدلة وتمكينهم من النظر والاستدلال . والمراد بالهدى الثاني ما هو أعم وأشمل من الأول لتناوله ما آتاهم من قبل الشرع وما آتاهم بما ركب فيهم من العقل ، والدليل على أن المراد بالثاني ما هو أعم من الأول أن اتباع الهدى الشرعي إنما يؤدي إلى انتفاء الخوف والحزن على المتبعين إذا روعي الهدى العقلي مع رعايته ، فإن اتباع الهدى الشرعي إنما يتأتى بتصديق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتصديقه إنما يتأتى برعاية مقتضى العقل وأن يستدل على صدقه بأنه تعالى صدقه بخلق المعجزات في يده والحكيم لا يصدق الكاذب . وأشار المصنف إلى هذا المعنى بقوله : « فمن تبع ما أتاه من قبل الشرع مراعيا فيه ما يشهد به العقل » وفي جعل ما أتى به الرسل وبينوه من الأحكام الاعتقادية والعملية وما اقتضاه العقل ودل عليه من الأحكام الاعتقادية ، إذ لا مدخل للعقل في الأحكام العملية عند الأشاعرة ، مرادا بالهدى الثاني مسامحة ظاهرة لأنهما ليسا من قبيل الهداية بل هما من الأمور المدلول عليها . قيل : كون المراد بالهدى الثاني ما هو أعم مخالف لما اشتهر من أن النكرة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى . وأجيب بأنه أكثري لا كلّي . قال الراغب : إن قيل : نفي الخوف والحزن عن الأولياء مع أنه تعالى وصفهم بهما في مواضع نحو قوله :وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ[ الرعد : 21 ] وقوله :وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ[ الإسراء : 57 ] قيل : أما نفي الخوف والحزن عنهم فقد قيل : لفظه الخبر ومعناه النهي كقوله :أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا[ فصلت : 30 ] وقيل : هو خبر لكنه تعالى مدحهم بهما في الدنيا وحثهم عليهما وآمنهم منهما في الآخرة كما روي : من خاف اللّه تعالى في الدنيا آمنه اللّه في الآخرة . ولهذا حكى اللّه تعالى عنهم أنهم قالوا حين دخلوا الجنةالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ[ فاطر : 34 ] يعنون أنا كنا نخاف في الدنيا مما بعد الموت فاذهب اللّه عنا ما كنا فيه من الخوف والإشفاق في الدنيا من أن تفوتنا الكرامة اللّه التي نلناها الآن وأيضا فإن الخوف الذي مدح به المؤمنون وحثوا عليه ليس يراد به استشعار