بإنزال أو إرسال فمن تبعه منكم نجا وفاز وإنما جيء بحرف الشكّ وإتيان الهدى كأن لا
شرح
فعل شرط مؤكدة أداته ب « ما » المزيدة نحو : إما ترين إجراء له مجرى القسم في أنه لما أكد أول الشرط « بما » المزيدة أكد آخره بنون التأكيد ، كما أن القسم لما أكد أوله باللام أكد آخره بالنون نحو : واللّه لأفعلن . وذهب الزجاج والمبرد إلى أن الفعل الواقع بعد « إن » الشرطية المؤكدة « بما » يجب تأكيده بالنون قالا : ولذلك لم يأت التنزيل إلا عليه نحوفَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ[ الزخرف : 41 ]وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ[ الأعراف : 200 ؛ فصلت : 36 ]فَإِمَّا تَرَيِنَّ[ مريم : 26 ] وذهب سيبويه إلى أنه جائز لا واجب لكثرة ما جاء منه في الشعر غير مؤكد ، فكثرة مجيئه غير مأكد تدل على عدم الوجوب فمن ذلك قوله :يا صاح أما تجدني غير ذي جدة * فما التخلي عن الخلان من شيميوالمصنف اختار ما ذهب إليه سيبويه حيث قال : « حسن تأكيد الفعل بالنون » ولم يقل وجب . قوله : ( وإنما جيء بحرف الشك الخ ) يعني أن الظاهر أن المقام مقام « إذا » دون « إن » فإن الأصل في « إن » أن تستعمل في المعاني المحتملة المشكوكة وفي « إذا » أن تستعمل في المعاني المقطوع الوقوع وإتيان الهدى ، وإن كان لا يجب عليه تعالى عندنا بناء على أنه لا يجب عليه تعالى شيء لكنه من الأمور المقطوعة الوقوع بناء على أنه تعالى وعده وقدره ووعده لا يخلف . وتقديره لا يخالف فكان المقام مقام « إذا » فلم جيء بكلمة الشك ؟ قوله :
( وإتيان الهدى كائن ) جملة اسمية في محل النصب على الحالية بدون الضمير كما في قولهم :
آتيك والجيش قادم . والمعتزلة القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين وأن إتيان الهدى ألطف وأصلح للعبد واللطف ورعاية الأصلح واجبان على اللّه تعالى عندهم ، فيكون إتيان الهدى قطعي الوقوع واجبا عليه تعالى لأن الحكيم لا يخل بالواجب . يجيبون عن إيراد كلمة الشك في هذا المقام بأن الهدى في الآية عبارة عن بعثة الرسل وإنزال الكتب ، وما وجب عليه تعالى من الهدى ليس الهدى بهذا الوجه فإنه تعالى إذا لم يبعث رسولا ولم ينزل كتابا كان الإيمان به وتوحيده واجبا لما ركب فيهم من العقول ونصب لهم من الأدلة ومكنهم من النظر والاستدلال بل الواجب عليه هو الهدى في الجملة وهو يحصل . فلما لم يكن الهدى بإنزال الكتب وإرسال الرسل لازم التحقق قطعي الوقوع جيء بكلمة « الشك » إيذانا بذلك . والجواب عنه على أصل أهل السنة الذاهبين إلى أنه تعالى لا يجب عليه شيء ظاهر لأن إتيان الهدى على أي وجه كان إذا لم يجب عليه تعالى شيء كان محتملا في نفسه على معنى أنه تعالى إن شاء هدى بالإنزال والإرسال وإن شاء تركه كان كذلك بالنظر إلى نفسه من الأمور المحتملة المشكوكة فجيء بكلمة « الشك » إيذانا بذلك إلا أن جانب وقوعه لما كان راجحا نظرا إلى فضله ورحمته أكدت كلمة « إن » « بما » وأكد الفعل بالنون إيماء إلى رجحان جانب الوقوع .