يذكر . وقيل : الأول من الجنة إلى السماء الدنيا ، والثاني منها إلى الأرض وهو كما ترى .
شرح
المقترن بهما من المخالفة . وضمير « بهما » و « منهما » راجع إلى هذين الأمرين . وقوله : « وإن كل واحد منهما » عطف على قوله : « إن مخافة » والنكال العقوبة والعبرة والضمير المجرور في « به » راجع إلى كل واحد منهما والباء زائدة كما في قوله :وَكَفى بِاللَّهِ[ النساء : 6 ] وآيات أخرى . والمصنف اقتبس هذا الكلام من قوله تعالى :وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماًأي فنسي ولم يهتم بحفظه حتى غفل عنه ولم نجد له تصميم رأي وثباتا على الأمر أي لم يكن له ذلك وإلا لوجدناه لكنا لم نجده فلم يكن له ذلك ، فلذلك أزله الشيطان عنها ولو كان ذا عزيمة وتصلب لم يزله ولم يستطع تغريره . وقيل : لم نجد له عزما على المخالفة وعدم قصده إليها بل إنما وقع على سبيل الخطأ والنسيان . قوله : ( وقيل ) أي وقيل : في وجه تكرير الأمر بالهبوط : إن الهبوط الأول غير الثاني فالأول من الجنة إلى السماء الدنيا . والثاني من السماء الدنيا إلى الأرض . قاله الجبائي .
قوله : ( وهو كما ترى ) إشارة إلى ظهور ضعف هذا القول وذلك من وجهين : أحدهما أنه قال في الهبوط الثانياهْبِطُوا مِنْهاوالضمير في « منها » عائد إلى الجنة إذ لم يسبق ذكر السماء وذلك يقتضي أن يكون الهبوط الثاني من الجنة أيضا . وثانيهما أن الهبوط الأول لو كان من الجنة إلى السماء الدنيا ، والثاني من السماء الدنيا إلى الأرض لكان الملائم أن يذكر قوله :وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ[ البقرة : 36 ] عقيب ذكر الهبوط الثاني لأن الاستقرار في الأرض والتمتع بها إنما حصلا بالهبوط الثاني ، ولما ذكر ذلك عقب ذكر الهبوط الأول فهم منه أن الهبوط الأول إنما هو من الجنة إلى الأرض . ويمكن دفع الوجه الثاني بأن قوله :وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍحال مقدرة من الهبوط الأول ولا بعد في أن يقال : اهبطوا من الجنة إلى السماء الدنيا مقدرين الاستقرار في الأرض والتمتع فيها إلى حين ، ثم أن يؤمروا بالهبوط الثاني من السماء الدنيا إلى الأرض . وذكر الإمام وجها آخر للتكرير وعدّة أقوى من الوجه الذي ذكره الجبائي ومن كونه لأجل التأكيد وهو أن آدم وحواء لما اتيا بالزلة أمر بالهبوط فتابا بعد الأمر بالهبوط ووقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط إنما كان بسبب الزلة فبعد التوبة وجب أن لا يبقى الأمر بالهبوط ، فأعاد اللّه تعالى الأمر بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها بل الأمر بالهبوط باق بعد التوبة لأن الأمر بالهبوط كان تحقيقا للوعد المتقدم في قوله :إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً[ البقرة : 30 ] الخ . انتهى كلام الإمام . وفيه بحث لأنه يستدعي أن يكون الهبوط الثاني بعد قبول التوبة ولا وجه له لكونه أمرا بتحصيل الحاصل ، وذلك لأن قبول توبة آدم عليه السّلام إنما وقع وهو في الأرض فأمره بالهبوط من الجنة إلى الأرض تكليف