وصف بها البارىء تعالى أريد بها الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة .
الرَّحِيمُ
( 37 ) المبالغ في الرحمة ، وفي الجمع بين الوصفين وعد للتائب بالإحسان مع العفو .
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً
كرّر للتأكيد أو لاختلاف المقصود فإنّ الأوّل دلّ على أن هبوطهم إلى دار بليّة يتعادون فيها ولا يخلدون ، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف فمن اهتدى الهدى نجا ومن ضلّه هلك . والتنبيه على أن مخافة الإهباط المقترن بأحد هذين الأمرين وحدها كافية للحازم أن تعوقه عن مخالفة حكم اللّه تعالى فكيف بالمقترن بهما ؟ ولكنه نسي ولم نجد له عزما وأن كلّ واحد منهما كفى به نكالا لمن أراد أن
شرح
بالتواب المبالغة في التوبة وذلك من وجهين : الأول أن واحدا من ملوك الدنيا متى جنى عليه إنسان ثم اعتذر له فإنه يقبل الاعتذار ، ثم إذا عاد إلى الجناية وإلى الاعتذار مرة أخرى فإنه لا يقبله لأن طبعه يمنعه من قبول العذر . أما اللّه تعالى فإنه يفعل بخلاف ذلك لأنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضر بل إنما يقبلها لمحض الإحسان والتفضل . فلو عصى المكلف كل ساعة ثم تاب وبقي على هذه الحالة زمانا طويلا لكان يغفر له ما قد سلف ويقبله فصار بذلك مستحقا لأن يوصف بالمبالغة في قبول التوبة . وقيل :
إنما هو التواب على طريق قصر المسند إليه . والثاني أن الذين يتوبون إلى اللّه تعالى يكثر عددهم فإذا قبل توبة الجميع استحق المبالغة في ذلك ، ولما كان قبول التوبة مع إزالة العقاب يقتضي حصول الثواب وكان الثواب من جهته تعالى نعمة ورحمة وصف تعالى نفسه مع كونه توابا بأنه رحيم .
قوله : ( كرر للتأكيد ) يعني أن المأمور به هبوط واحد وهو الهبوط من الجنة إلى الأرض فلم أمر به مرتين ؟ فالتكرير متعلق بالمحكي وهو الأمر بقوله :اهْبِطُوافلما كرر المحكي كررت الحكاية وهي قوله تعالى :قُلْنَا اهْبِطُوافإن قلت : فلم قدم ذكر تلقي الكلمات عليه مع أن التوبة إنما صدرت وهو على الأرض فكان حقها أن تذكر بعد تقرير أمر الهبوط والفراغ من ذكره ؟ قلنا : ذلك التقديم لفرط الاهتمام بصلاح حاله وفراغ باله والإخبار بالتجاوز عن هفوته وإزاحة ما عسى يتشبث به الملائكة فيما زعموا في حقه وقد فضله عليهم . وفيه بحث لأن ما يتشبث به الملائكة في ذلك إنما هو في المحكي ولا تقديم فيه ، وإنما التقديم في الحكاية وليس فيها ما يتشبثون به في ذلك لأنها بعد الوقوع بأزمنة متطاولة فأين أحدهما من الآخر ؟ اللهم إلا أن يقال القرآن إنما ثبت في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب الذي هو عليه الآن قبل خلق آدم عليه السّلام ، فجاز أن يطلع الملائكة فيه على زلة آدم ويطلعوا عقيبه على توبته وقبولها ويزول ذلك . إلى هنا كلامه . ولا يخفى أن فرط الاهتمام بالإخبار بإزاحة ما عسى يتشبثون به فيما زعموا في حقه ، ألا ترى أنه قد تعدى ما