أنّهم أحقّاء بالخلافة وأنّه تعالى لا يخلق خلقا أفضل منهم . وقيل : ما أظهروا من الطاعة وأسرّ إبليس منهم من المعصية . والهمزة للإنكار دخلت حرف الجحد فأفادت الإثبات والتقرير . واعلم أن هذه الآيات تدل على شرف الإنسان ومزية العلم وفضله على العبادة
شرح
روي عن ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير رضي اللّه عنهم أن قوله تعالى :أَعْلَمُ ما تُبْدُونَأراد به قوله :أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيهاوأراد بقوله :وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَاستبطانهم بأنهم أحقاء بالخلافة . وقال قتادة : لما خلق اللّه تعالى آدم من تراب همست الملائكة فيما بينهم وقالت : إن اللّه تعالى أن يخلق ما شاء من الخلق ولكن لا يخلق خلقا أفضل ولا أعلم منا . وفي رواية أنهم قالوا : ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا أفضل ولا أكرم عليه منا ، وهذا القول هو الذي كتموه . ويجوز أن يكون هذا القول سرا أسروه بينهم عن غيرهم بأن أبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان . قوله : ( وقيل : ما أظهروا من الطاعة وأسرّ إبليس منهم من المعصية ) روي أنه تعالى أمر ملك الموت حين قبض قبضة من زوايا الأرض أن يخمرها ويجعلها طينا لازيا ثم حمأ مسنونا ثم صلصالا ، وأن يصور منها آدم ويضعه على طريق مكة للملائكة الذين يصعدون من الأرض إلى السماء فخمرها وصور منها جسد آدم فوضعه هناك أربعين سنة كلما مرّ به إبليس لعنه اللّه فرآه قال : لأمر ما خلقت . ثم ضربه بيده فإذا هو أجوف فدخل في فيه وخرج من دبره ، وقال لأصحابه الذين معه من الملائكة : هذا خلق أجوف لا يثبت ولا يتماسك ، ثم قال لهم : أرأيتم إن فضل هذا عليكم ما أنتم فاعلون ؟ قالوا : نطيع ربنا فقال إبليس في نفسه :
واللّه لا أطيعه إن فضل عليّ ولئن فضلت عليه لأهلكته . فذلك قوله تعالى للملائكة :وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَنقله القرطبي عن كتاب العرائس للثعلبي وأسند الكتم إليهم مع أن الكاتم واحد منهم في هذه الرواية على طريق قولهم : بنو فلان قتلوا زيدا إذا قتله واحد منهم ، لأن القتل إذا وقع فيهم صار كأنهم قتلوه جميعا وإنما يفعل هذا عند قصد التعنيف .
ومنه قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ[ الحجرات : 4 ] وإنما ناداه واحد منهم وهو عيينة وقيل : الأقرع .
قوله : ( واعلم أن هذه الآيات ) أي من قوله :وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةًإلى هنا استدل بها على تسعة أحكام : الحكم الأول شرف الإنسان وكرامته ، ووجه دلالتها عليه أنه تعالى بشر بإيجاده قبل خلقه مع أنه تعالى خلق العرش والكرسي واللوح والقلم وسدرة المنتهى وجنة المأوى ولم يبشر بخلقها قبل تكوينها وذلك غاية تشريف وتكريم . ووجه آخر انه تعالى جعله خليفة له في أرضه لإقامة حدوده وأحكامه وتنفيذ وصاياه والخليفة لقيامه مقام المستخلف في إقامة بعض المصالح أشرف من غيره ، وأيضا فضله على