تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
قولهم : مضر وهاشم ، أو على تأويل من يخلفكم أو خلقا يخلفكم . وفائدة قوله هذا للملائكة تعليم المشاورة وتعظيم شأن المجعول بأن بشّر بوجوده سكّان ملكوته ولقّبه بالخليفة قبل خلقه ، وإظهار فضله الرّاجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم وجوابه وبيان أن الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شرّ كثير إلى غير ذلك .
شرح
لكان المناسب أن يقال : خلفاء أو خلائف فلم أفرد اللفظ ؟ وأجاب عنه بثلاثة أجوبة : الأول أن ذرية آدم وإن كانوا خلفاء من قبلهم من سكان الأرض أو كان بعضهم خلفاء لبعض أيضا في سكنى الأرض أو كان المعنى على جعل آدم مع ذريته خلفاء الأرض بناء على أن الخلافة في سكنى الأرض ليست لآدم وحده بل له مع ذريته ، إلا أنه أفرد لفظ الخليفة وأيد به آدم استعناء بذكر من هو الأصل عمن هو متفرع عليه ومتشعب منه كأنه قيل : خليفة وخلفاؤه ذريته كما يقال : الخلافة لقريش ، والمعنى أنها فيه وفي أولاده إلا أنه استغنى بذكره عن ذكر ما يتفرع . والثاني أن الخليفة اسم جنس لكونه في تأويل من يخلف فيصلح للواحد والجماعة كما يصلح للذكر والأنثى . والثالث أن خليفة صفة موصوف محذوف مفرد اللفظ مجموع المعنى ، والتقدير خلفا يخلفكم فيتناول آدم وذريته . قوله : ( وفائدة قوله هذا للملائكة ) مع أنه تعالى بعلمه الكامل وحكمته البالغة غني عن المشاورة وذكر له أربع فوائد : الأولى تعليم عبادة المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم تحريا للخير وتحرزا عن الخطأ والضلال ، والثانية تعظيم شأن المجعول خليفة حيث لقبه بالخليفة وبشر بوجوده قبل خلقه وإيجاده للملائكة الذين هم سكان عالم الملكوت بخلاف الجن والإنس فإنهم سكان عالم الملك . قوله : ( ولقبه ) عطف على بشر . والثالثة إظهار فضله الراجح وكماله الغالب على ما فيه من المفاسد بسؤالهم وجوابه وهو متعلق بقوله : « وإظهار فضله » أي أخبر اللّه تعالى إياهم بجعله المذكور ليسألوا عن وجه الحكمة في استخلاف من يفسد ويسفك الدماء فيجابوا بما يدل على فضله الراجح على ما فيه من المفاسد ، وهو قوله سبحانه :إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَفإني أعلم أن فيهم الرسل والأخيار وأن لهم العلم ولكم العمل والعلم أفضل ، واعلم أن لكم الطاعة وبها فيكم الافتخار ومنهم المعصية ومعها لهم الاعتذار . وبالجمة بيّن لهم أن الحكمة تقتضي خلقهم واستخلافهم واللّه تعالى إنما فعل ذلك لحكمة بالغة ، فلما اقتضت الحكمة إحاطة علمهم بهذا الجواب قبل خلق الخلفاء واستخلافهم ذكر لهم ما يؤدي إلى سؤالهم عن وجه الحكمة في خلق ما فيه من المفاسد المذكورة وإلى أن يجابوا بذلك . والرابعة بيان أن الحكمة تقتضي إيجاد ما يكون خيره غالبا على شره فإن الضرر القليل يتحمل لأجل النفع الكثير وأن الشر اليسير يغتفر للخير الكثير .