أو للعهد والمعهود هي الأنهار المذكورة في قوله تعالى :
أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
[ محمد : 15 ] الآية والنهر بالفتح والسكون المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر كالنيل والفرات ، والتركيب للسعة والمراد بها ماؤها على الإضمار أو المجاز أو المجاري أنفسها وإسناد الجري إليها مجاز كما في قوله تعالى :
وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها
[ الزلزلة : 2 ] .
كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا
صفة ثانية لجنات أو خبر مبتدأ محذوف ، أو جملة مستأنفة كأنه لما قيل : فإنّ لهم جنات وقع في
شرح
معنى العهد الذهني كما في قولهم : ادخل السوق حيث لا عهد . فالمراد بجنس النهر الجنس من حيث وجوده في ضمن الأفراد التي تراد بجمع القلة وهي من الثلاثة إلى العشرة ، والحدان داخلان ، وجمع الكثرة يطلق على ما فوق العشرة . قوله : ( أو للعهد ) أراد به العهد الخارجي والمعهود ما ذكر من الأنهار المنكرة المذكورة في قوله تعالى :فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ[ محمد : 15 ] الآية إلا أن جعل تعريف الأنهار للعهد الخارجي يتوقف على سبق ذكر الأنهار المنكرة على نزول لفظ الأنهار المعرفة وهو غير معلوم . قوله : ( كالنيل والفرات ) أي كنهرهما ومجراهما فإن سعة مجراهما لا خفاء فيها .
قوله : ( والتركيب للسعة ) فإن النهار اسم لضوء واسع يمتد من طلوع الشمس إلى غروبها .
ويقال : أنهرت الطعنة إذا وسعتها واستنهر الشيء أي اتسع ، وانهرت الدم أي أسلته بكثرة .
قوله : ( والمراد بها ) أي بالأنهار ماؤها على الإضمار على أن يكون الأصل تجري من تحتها مياه الأنهار ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كما في قوله تعالى :وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ[ يوسف : 82 ] أي أهل القرية أو على المجاز أي على أن يكون لفظ الأنهار مجازا لغويّا من حيث إنه كان موضوعا للمجاري التي هي الأخاديد ، وأريد به ما حل فيها من الماء مجازا مرسلا . قوله : ( أو المجاري أنفسها ) معطوف على قوله : « ماؤها » فيكون لفظ الأنهار حقيقة لغوية . وإسناد الجري إلى الأنهار مجازا عقليا على طريق إسناد الفعل إلى المحل الذي يلابسه كما في قوله تعالى :وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها[ الزلزلة : 2 ] فإن الفاعل الحقيقي للإخراج هو اللّه تعالى وقد أسند إلى الأرض التي هي محل إخراج اللّه تعالى الأثقال .
قوله : ( صفة ثانية لجنات ) فيكون منصوبا ولم يتخلل العاطف بين الصفتين إشعارا بأن الصفة الثانية أيضا صفة مستقلة ، ولو عطفت الثانية على الأولى ربما توهم أنهما صفة واحدة وإن كانت خبر مبتدأ محذوف تكون في محل الرفع وهو ظاهر . واختلف في ذلك المبتدأ