الابتلاء وهو السّمع والبصر ، اللّذان هما أشرف الحواسّ ولهذا خصّا بالذّكر . وفيه إشارة بأنّ الحواسّ السّليمة ، أسباب كلّية لتحصيل الكمالات النّفسيّة . « 1 » فمن فقد حسّا فقد « 2 » علما . وقيل في الآية تقديم وتأخير . ونبتليه معناه : لنبتليه . والمعنى : فجعلنه سميعا بصيرا [ 12 پ ] لنبتليه . « 3 »
وأقول : على تقدير ما اعتبروه ، لا حاجة إلى تكلّف ارتكبوه . « 4 » بل الكلام تمام ، حسن النّظام ، جيّد الانتظام بدونه ، كما لا يخفى .
ثمّ إنّه « 5 » أخبر أنّه بعد أن ركّبه وأعطاه الحواسّ الظّاهرة والباطنة ، أوضح له بوساطة أن أتاه العقل السّليم ، سبيل الهدى والضّلال . فقوله : إمّا شاكرا وإمّا كفورا ، حالان من فعل هدينا أي : « 6 » مكّنّا أو « 7 » قدّرنا في هاتين الحالتين . فعلى هذا ، تقديره : هدينه السّبيل فيكون إمّا شاكرا وإمّا كفورا ، وفيه جهة الوعيد . أي : فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر .
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ
« 8 »
وَأَغْلالًا وَسَعِيراً
، وللشّاكر كذا . ويجوز بعد تقدير أن يكونا حالين عن السّبيل ، « 9 » على الإسناد المجازى ، لأنّ وصف السّبيل بالشّكر والكفر مجاز . « 10 » هذه الأقاويل يناسب أصول المعتزلة . وأمّا الّذى اختاره الفرّاء وهو يطابق لمذهب أهل السّنّة « 11 » أنّ : امّا « 12 » في هذه الآية كما في قوله تعالى :
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ
« 13 » والمعنى : هدينه السّبيل ثمّ جعلنه تارة شاكرا وتارة كفورا . والمراد بالشّكر : الإقرار باللّه وبالكفران « 14 » إنكاره ، حتّى لا
هامش
( 1 ) . - التفسير الكبير ، فخر رازي ، 30 / 237 ؛ غرائب القرآن ورغائب الفرقان ، نيشابورى ، 6 / 409 ؛ البحر المحيط ، ابن كثير ، 8 / 394 .
( 2 ) . ت : فقد فقد .
( 3 ) . فرّاء : والمعنى سميعا بصيرا لنبتليه ، فهذه مقدّمة معناها التأخير معاني القرآن ، 3 / 214 ونيز زاد المسير ، ابن الجوزي ، 8 / 428 ؛ لباب التأويل في معاني التنزيل ، الخازن ، 4 / 377 ؛ النكت والعيون ، الماوردي ، 4 / 391 ؛ تفسير الوسيط ، الواحدي ، 4 / 398 ؛ الجامع لأحكام القرآن ، قرطبى ، 19 / 122 .
( 4 ) . مؤلف در اين رأى ، با مفسرين متقدمى چون بيضاوى ، زمخشري وفخر رازي همنظر است . فخر رازي :
القول الثاني ، انّه لا حاجة إلى هذه التغيير ، والمعنى انّا خلقناه من هذه الأمشاج ، لا للعبث بل للإبتلاء والامتحان التفسير الكبير ، 30 / 237 .
بيضاوى : فجعلناه سميعا بصيرا ، فهو كالمسبّب عن الابتلاء ولذلك عطف بالفاء على الفعل المقيّد به . أنوار التنزيل ، 2 / 524 .
زمخشري : وقيل : هو في تقدير التأخير . وهو من التّعسف . الكشّاف ، 4 / 666 .
( 5 ) . ت : انّه .
( 6 ) . الف : إلى .
( 7 ) . د وش : و .
( 8 ) . ش ، ت : در حاشية : + سلاسل : جمع سلسلة ، الواحد منها سبعين ذراعا . وأغلالا جمع غلّ وهو القيد الذي يجمع اليدين والعنق .
( 9 ) . ش : + و .
( 10 ) . ش ، د : افزوده و ؛ : ت أو .
- الكشاف ، 2 / 666 ؛ البحر المحيط ، 8 / 394 .
( 11 ) . منظور از مذهب أهل سنت ، مذهب اشاعره ودركل قائلين به جبر است . معاني القرآن ، فرّاء ، 3 / 214 ؛ زاد المسير ، ابن الجوزي ، 8 / 428 ؛ البحر المحيط ، أبو حيان ، 8 / 385 ؛ مدارك التنزيل وحقائق التأويل ، نسفى ، 4 / 466 ؛ غرائب القرآن ورغائب الفرقان ، نيشابورى ، 6 / 412 - 411 .
( 12 ) . الف ، ش : ما .
( 13 ) . توبه : 106 .
( 14 ) . ش : بالكفر .