تلك المنافع ، ومصالح أخر ليس الّا فعل حكيم عليم قدير .
هذا ثمّ لا يخفى على أولى النّهى أنّ الاستبعاد في الاستناد « 1 » إلى اختلاف الاستعداد ، أكثر ممّا أنكروه وأصرّ جالينوس على إنكاره . ثمّ أنّ الغزالي أسند أفعال المصوّرة بل أفعال القوى ، كلّها ، إلى الملائكة « 2 » . ولعلّه جرى مجرى من سبقه « 3 » وتبعه في هذا كمن « 4 » نظم إخوان الصّفا . 29
وإنّى أستفيد « 5 » من هذه الآية وغيرها ردّ هذا أيضا . فإنّ من تفطّن بها تأكيدا وحصرا ، وعرف أنّ الإنسان في العلم والعرفان أكبر « 6 » من الملك بكثير « 7 » 30 ، على ما يفصح عنه التّنزيل والتّفسير ، وأنّه ليس له أن يفعل ويتصوّر أدنى من هذا ، تنبّه « 8 » بأنّ الخالق الفاعل لهذا التّصوير عليم بالمنافع « 9 » ، خبير حكيم أحكم فعله للمصالح بصير بها قدير عليم ، إنّه ليس الّا فعل فاعل الكلّ ومصوّره وقدرة خالق العالم ومقدّره . وأنا أرى أنّه كما يستفاد من إتقان الفعل علم الفاعل ، كما قرّروه واستدلّوا به على علمه تعالى ، كذلك يستفيد اللّبيب البصير الخبير من حال إتقان المصنوع ، كيفية وكمّية علم الصّانع [ 11 ر ] كثرة « 10 » وقدرة وقوّة ، « 11 » بل كثير « 12 » من صفاته خصوصية . وبهذا الّذى قرّرته « 13 » ، تندفع « 14 » شبهة قوية يرد على المتكلمين في استدلالهم بإتقان العالم على علمه تعالى 31 . فإنّه يرد عليهم أنّه لم لا يجوز أن يكون العالم « 15 » فعل ممكن عالم ، فلم يلزم علم الواجب تعالى . وليس في كلام المتكلّمين ما يفيد جوابا . وأنت إذا تأمّلت بما قرّرته ، تجده صوابا .
توضيح هذا وتفصيله أنّه تعالى صوّر صورة الإنسان بهذا الأعضاء والبنيان لمنافع لا يكاد « 16 » يحصى « 17 » وكثيرها بل أكثرها ، لها ارتباطات شتّى في منافعها بكثير ممّا في الأرض والسّماء .
فلشدّة التّشابك « 18 » والتّعانق بينها بمنافعها ، يكون كلّها فعل فاعل واحد ، بشهادة العقل وإفادة
هامش
( 1 ) . د : الاستناد إلى .
( 2 ) . ملا صدرا نيز همين مطلب را به غزالى نسبت داده مىگويد : قال بعض من سبق الغزالي : أنّ هذه الأفاعيل أفعال المصوّرة وما يجرى مجراها ممّا ينسب إلى القوة النباتيّة ، صادرة عن الملائكة . الأسفار الأربعة ، 8 / 108 ، فصل في تحقيق الكلام في القوة المصوّرة .
( 3 ) . الف : شيعه .
( 4 ) . د : من .
( 5 ) . د : استبعد .
( 6 ) . ت : أكثر .
( 7 ) . د : الكبير .
( 8 ) . د : يتنبّه .
( 9 ) . د : المنافع .
( 10 ) . الف : كثيرة .
( 11 ) . ت : وقدرته قوة .
( 12 ) . د : كثر .
( 13 ) . الف : قدّرته .
( 14 ) . د : يندفع .
( 15 ) . د : للعالم .
( 16 ) . د : يكاد .
( 17 ) . د : لا يحصى .
( 18 ) . التّشابك والتّعانق : پيوستگى وهمبستگى .