العادل عند اللّه تعالى أعلى من مرتبة المجتهدين ، لأن نص آية اوليالأمر يؤيد وجوب إطاعة السلاطين وموافقتهم على رأيهم ، لا معاضدة المجتهدين ، والسلطان أعدل وأفضل وأعلم باللّه تعالى ، فإذا وقع الاختلاف في مسائل الدين بين العلماء واختار السلطان أحد القولين لأجل تسهيل معاش بني آدم وصلاح حال أهل العالم فحكم به وجبت إطاعته على كافة الأنام ، وأيضا إذا حكم بحسب اجتهاده بحكم لا يخالف النص لأجل المصلحة العامة فمخالفة هذا الحكم موجبة للسخط الإلهي والعذاب الأخروي والخسران الديني والدنيوي ، وختم الجميع هذه التذكرة بخواتيمهم وبعد هذا أحضر مخدوم الملك وعبد النبي الصدر وأمرهما بختمها وإمضائها بخطهما فختماها وأمضياها بخطهما طوعا أو كرها ، وكان ذلك في شهر رجب سنة 987 من الهجرة المقدسة .
فلما كتب هذا المحضر شرع السلطان في إجراء ما يصلح العباد شيئا فشيئا ، فأمر مخدوم الملك والشيخ عبد النبي بالسفر إلى الحج ، وعين العلماء المتعصبين قضاة في الأمكنة البعيدة ، وبهذا التدبير استراح الخلق من أضرار الأشرار وتفرغوا لأمور معاشهم ومعادهم ، فإن السلطان يلزم أن لا يكون متعصبا ويلزم أن تكون الرعايا في ظله سواء ، فلما وصل مخدوم الملك إلى مكة المكرمة كان ابن حجر صاحب الصواعق المحرقة حيا موجودا في مكة ، وباعتبار تناسبه مع مخدوم الملك في التعصب استقبله واحترمه كثيرا وفتح له باب الكعبة ، وكان ذلك قبل أيام الحج فأخذ في ذم السلطان والأمراء في المجالس والمحافل بسبب ما ناله حتى نسبهم إلى الارتداد عن الدين والرغبة في الكفر ، فوصل ذلك إلى مسامع السلطان ، والشيخ عبد النبي لما سمع بخبر بغي محمد حكيم ميرزا أخي السلطان أكبر شاه وفتحه مدينة لاهور عزم هو ومخدوم الملك على الرجوع إلى الهند طمعا في الرئاسة وحبا للجاه ، فعادا إليها ووصلا إلى أحمدآباد كجرات ، فوجدا أن أكبر شاه بتمام الاقتدار فخافاه على أنفسهما ، وكان بعض نساء السلطان قد ذهبن إلى الحج في تلك السنة وعدن منه ووصلن أحمدآباد فتوسلا بهن ليشفعن لهما عند السلطان ففعلن ، ولما كان السلطان غاضبا عليهما أشد الغضب لسوء أفعالهما أظهر لنسائه أنه قبل شفاعتهن وأرسل بعض رجاله خفية للقبض عليهما ففعلوا ، فتوفي مخدوم الملك في الطريق فحمل
سواطع الالهام في تفسير كلام الملك العلام — صفحة مقدمة 109
مساهمون: الشيخ أبو الفيض الناكوري
صمقدمة ١٠٩