من تأمل فيه على وجه التدبر والتدرب فقد غرق في تيار بحاره الزخار وتخصيص الأمر بالليل وترتيل القرآن فيه حيث
إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ
اى القراءة التي تنشأ من النفس في جوف الليل حين خلو القلب عن جميع الاشغال والملاهي
هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً
تأثيرا ووقعا في القلب وتنبيها وتنبها له وان كانت أثقل للنفس واتعب للبدن
وَأَقْوَمُ قِيلًا
اى اعدل الأقوال بالنسبة إلى القلب وارسخها فيه وأقواها أثرا وانتباها بخلاف ما في النهار
إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ
الذي هو وقت الاشغال وأوان الانتقال وزمان الالتفات نحو المهمات ومحل أنواع الملمات والواقعات لذلك عرض لك فيه
سَبْحاً طَوِيلًا
تقلبا وتصرفا ممتدا شاغلا لأوقاتك مشوشا لعموم حالاتك وبالجملة الفراغ الذي يحصل بالليل لا يحصل في النهار فعليك ان تجتهد في التهجد وتقرأ القرآن فيه سيما عند الفجر لان قرآن الفجر كان شهودا
وَ
بالجملة
اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ
ودم على تسبيحه وتقديسه دائما في عموم أوقاتك وحالاتك على وجه لا تشغلنك عن ذكره مهماتك
وَتَبَتَّلْ
اى تجرد وانقطع عن عموم المهام
إِلَيْهِ
سبحانه
تَبْتِيلًا
بليغا وتجريدا كاملا بحيث لا يخطر ببالك الالتفات لحالك فكيف لحال غيرك وكيف لا تنقطع اليه ولا تتجرد نحوه مع أنه هو سبحانه
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
اى مربى جنس المشارق والمغارب التي هي ذرائر الكائنات باعتبار ظهور شمس الحق منها وشروقها عليها وباعتبار بطونها وخفاءها فيها إذ
لا إِلهَ
ولا موجود في الوجود
إِلَّا هُوَ
ولا شيء في الشهود سواه
فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا
سيما بعد ما لم يوجد في الوجود سواه أصيلا
وَ
بعد ما اتخذته وكيلا وجعلته حسيبا وكفيلا
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ
اى المشركون المسرفون من الخرافات والجزافات التي لا تليق بشأنك
وَ
ان شق عليك الصبر والتحمل
اهْجُرْهُمْ
وانصرف عنهم
هَجْراً جَمِيلًا
بحيث تكون أنت حين الانصراف عنهم بشاشا بساما بلا التفات منك إلى هذياناتهم الباطلة وبلا مبالاة بهم وبكلامهم وتوكل على اللّه وفوض امر الانتقام منهم اليه فإنه يكفيك مؤنة شرورهم واستهزائهم . ثم قال سبحانه على سبيل التسلية لحبيبه صلّى اللّه عليه وسلم
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ
يعنى لا تلتفت يا أكمل الرسل إلى ما قد بالغوا به في قدحك وطعنك بل دعني معهم وفوض امر الانتقام منهم إلى فانى انتقم عنهم من قبلك وادفع أذاهم عنك وأغلبك عليهم وان كانوا
أُولِي النَّعْمَةِ
وذوى الثروة والسيادة وأصحاب الترفه والوجاهة يريد صناديد قريش خذلهم اللّه
وَ
بالجملة لا تستعجل في الانتقام منهم بل
مَهِّلْهُمْ
امهالا
قَلِيلًا
أو زمانا قليلا ولا تقنط عن مكرنا إياهم
إِنَّ لَدَيْنا
من المعد لهم أنواعا من العذاب
أَنْكالًا
ضيقا ثقالا لتثاقلهم وعدم تحملهم وتصبرهم بمتاعب التكاليف الإلهية ومشاق الطاعات والعبادات المأمور بها من قبله سبحانه
وَجَحِيماً
عظيما بدل ما يتلذذون بنيران الشهوات ويظلمون الناس بأنواع الغضب والطغيان
وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ
ينشب بالحلق ولا يسمن ولا يغنى من جوع بدل ما يأكلون من السحت والرشى والرباء وأموال اليتامى ظلما وعدوانا
وَعَذاباً أَلِيماً
لا عذاب أشد ايلاما منه وهو حرمانهم عن لقاء اللّه وخذلانهم عن ما فات عنهم من التحقق والوصول بكنف حفظه وجواره اذكر لهم يا أكمل الرسل وان لم يصدقوا
يَوْمَ تَرْجُفُ
تضطرب وتتزلزل
الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ
من شدة الحركة والاضطراب قد اندكت وتناثرت فصارت
كَثِيباً
رملا مجتمعا
مَهِيلًا
منثورا تذروه الرياح حيث شاءت كسائر الرمال الآن في البواري والبوادي وكيف لا نأخذ المشركين المجرمين