بظلمهم يومئذ ولا نعذبهم بأنواع العذاب
إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ
يا أهل مكة بعد ما انحرفتم عن جادة العدالة على مقتضى سنتنا القديمة في الأمم السالفة
رَسُولًا
ناشئا منكم يعنى محمدا صلّى اللّه عليه وسلم
شاهِداً
يشهد
عَلَيْكُمْ
يوم القيامة بالإجابة والامتناع بعد ما أمرنا له وأوحينا اليه ان يدعوكم إلى الايمان ويأمركم بالطاعات والإحسان
كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ
الطاغي الباغي
رَسُولًا
يعنى موسى الكليم عليه السلام ليدعوه إلى الايمان ويأمره بلوازمه وبعد ما دعاه وامره بما امر به الحق وبالغ في دعوته
فَعَصى
وتكبر
فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ
وعتا عليه واستكبر عن دعوته
فَأَخَذْناهُ
اى فرعون وقومه
أَخْذاً وَبِيلًا
ثقيلا شديدا إلى حيث قد اغرقناه وجنوده في اليم وأورثنا ارضه ودياره وأمواله لموسى ومن معه هذا أخذنا إياهم في النشأة الأولى وفي الأخرى بأضعافها وآلافها فأنتم أيضا يا أهل مكة مثل فرعون عصيتم رسولكم الذي أرسل إليكم يعنى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فنأخذكم مثل ما أخذنا آل فرعون في الدنيا حيث نجعلكم صاغرين مهانين وفي الآخرة مسجونين معذبين بعذاب أليم مخلدين في النار ابد الآبدين . ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع تهويلا عليهم وتعريضا
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ
وتحفظون أنفسكم عن عذاب اللّه أيها المنهمكون في أنواع الغفلات والجهالات مع أنكم
إِنْ كَفَرْتُمْ
وبقيتم على الكفر إلى أن متم عليه مع أنكم ستستقبلون
يَوْماً
وأي يوم يوما
يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً
من غاية طوله وشدة أهواله واحزانه هذا على سبيل التمثيل والتشبيه بحسب متفاهم العرف والا فلا يكتنه طول ذلك اليوم وهوله وشدته سيما بالوصف والبيان ومن جملة العلامات الدالة على شدة أهواله واحزانه انه
السَّماءُ
المشيدة المحكمة
مُنْفَطِرٌ بِهِ
اى متشققة متضعضعة منخرمة بحلول ذلك اليوم ووقوعه بمقتضى قهر اللّه وجلاله وكيف لا يكون كذلك مع أنه قد وعد اللّه القادر المقتدر على عموم ما دخل في حيطة حضرة علمه وارادته بوقوعه ولا شك انه قد
كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا
دائما وامره مقضيا ابدا وحكمه مبرما أزلا وقضاؤه نافذا ماضيا سرمدا وبالجملة
إِنَّ هذِهِ
المقالات الدالة على انجاز وعد اللّه انما هي
تَذْكِرَةٌ
وعظة للمتعظين المتذكرين من أرباب العناية والتوفيق
فَمَنْ شاءَ
ان يتعظ بها
اتَّخَذَ
وأخذ
إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
بعد ما وفقه الحق وأعانه عليه بالخروج عن لوازم الإمكان وهداه للعروج إلى معارج الوجوب مترقيا من درجة إلى درجة ومقام إلى مقام إلى أن وصل إلى مبدأ طريق الفناء ثم ترقى منه أيضا من حالة إلى حالة إلى أن فنى عن الفناء أيضا ثم بعد ذلك صار ما صار وليس وراء اللّه مرمى ومنتهى وبعد ما امر سبحانه بقيام الليل على الوجه المذكور قد حثه عليه ورغبه اليه على وجه المبالغة والتأكيد بان علله سبحانه بعلمه إياه على أي وجه وقع فقال مخاطبا
إِنَّ رَبَّكَ
يا أكمل الرسل
يَعْلَمُ
بعلمه الحضوري
أَنَّكَ تَقُومُ
إلى التهجد في زمان
أَدْنى
وأقل
مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ
وأعلى وأكثر من نصفه تارة
وَ
تارة أخرى تقوم أدنى من
نِصْفَهُ وَ
تارة أخرى تقوم أدنى من
ثُلُثَهُ
وأكثر من ربعه وهذا أدنى تاراتك واعلها ما هو أدنى من ثلثي الليل إذ هي أقرب إلى قيام الكل الذي قد فرض أولا ثم الثانية ثم الثالثة
وَطائِفَةٌ
يعنى يعلم سبحانه أيضا قيام طائفة
مِنْ
المؤمنين
الَّذِينَ
يقومون
مَعَكَ
ويوافقون لك في تهجدك وقيامك في خلال الليل يعنى سبحانه محيط بهذه الأوقات الثلاثة الواقعة منك ومنهم بخلاف علمكم بها فإنه لا يقدر بتعينها على وجهها
وَ
بالجملة
اللَّهُ
العليم الحكيم الذي
يُقَدِّرُ
بمقتضى حضرة علمه وارادته
اللَّيْلَ وَالنَّهارَ