تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 563

مساهمون:

ص٥٦٣

فصل في الكلام على الآية

قال ابن الخطيب « 1 » : دل العقل على استحالة كونه تعالى ولدا ووالدا ، والأحديّة والصّمديّة يوجبان نفي كونه تعالى والدا ، أو مولودا ، وذكر بعدهما كما ذكر النتيجة بعد الدليل . قوله :
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ .
في نصب « كفوا » وجهان : أحدهما : أنه خبر « يكون » و « أحد » اسمها و « له » متعلق بالخبر ، أي : ولم يكن كفوا له كما تقدم وقد رد المبرد على سيبويه بهذه الآية من حيث إنه يزعم أنه إذا تقدم الظّرف كان هو الخبر ، وهنا لم يجعله خبرا مع تقدمه . وقد رد على المبرّد بوجهين : أحدهما : أن سيبويه لم يحتم ذلك بل جوزه . والثاني : أنا لا نسلم أنّ الظرف هنا ليس بخبر ، بل هو خبر ، ونصب « كفوا » على الحال ، على ما سيأتي بيانه . وقال الزمخشري « 2 » : الكلام العربي الفصيح ، أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم ، وقد نص سيبويه في كتابه على ذلك ، فما باله مقدما في أفصح كلام وأعربه ؟ قلت : هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه ، وهذا المعنى مصبّه ومركزه هو هذا الظرف ، فكان لذلك أهم شيء وأعناه ، وأحقه بالتقديم وأحراه . والثاني : أن ينصب على الحال من « أحد » ؛ لأنه كان صفة ، فلما تقدم عليه نصب حالا و « له » هو الخبر . قاله مكي ، وأبو البقاء « 3 » ، وغيرهما . ويجوز أن يكون حالا من الضمير المستكن في الجار لوقوعه خبرا . قال أبو حيان بعد أن حكى كلام الزمخشري ومكي « 4 » : وهذه الجملة ليست من هذا الباب ، وذلك أن قوله :
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
ليس الجار والمجرور فيه تامّا ، إنما هو ناقص ، لا يصلح أن يكون خبرا ل « كان » بل متعلق ب « كفوا » ، وتقدم على « كفوا » للاهتمام به ، إذ فيه ضمير الباري تعالى ، وتوسط الخبر وإن كان الأصل التأخير ؛ لأن تأخير الاسم هو فاصلة ، فحسن ذلك ، وعلى هذا الذي قررناه يبطل إعراب مكي وغيره ، أن « له » الخبر ، و « كفوا » حال من « أحد » لأنه ظرف ناقص ، ولا يصلح أن يكون خبرا ، وبذلك يبطل سؤال الزمخشري وجوابه ، وسيبويه إنما تكلم في الظرف الذي يصلح أن يكون خبرا ، ويصلح أن يكون غير خبر .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 32 / 168 - 169 . ( 2 ) الكشاف 4 / 818 . ( 3 ) الإملاء 2 / 397 . ( 4 ) ينظر : البحر المحيط 8 / 530 .