تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢

فصل في معنى الآية

والمعنى : يصيبها صلاؤها وحرّها ، « حامية » أي شديدة الحرّ ، أي قد أوقدت وأحميت مدة طويلة ، ومنه : حمي النهار - بالكسر - وحمي التنور حميا فيهما ، أي : اشتد حره ، وحكى الكسائي : اشتد حمى الشمس وحموها بمعنى . قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه أوقدها ألف سنة حتّى احمرّت ، ثمّ أوقد عليها ألف سنة حتّى ابيضّت ، ثمّ أوقد عليها حتّى اسودّت ، فهي سوداء مظلمة » « 1 » . قال الماوردي : فإن قيل : فما معنى وصفها بالحمي ، وهي لا تكون إلا حامية ، وهو أقل أحوالها ، فما وجه المبالغة بهذه الصفة الناقصة ؟ . قيل : قد اختلف في المراد بالحامية هاهنا . قيل : المراد : أنها دائمة [ الحمي ] « 2 » ، وليست كنار الدنيا التي ينقطع حميها بانطفائها . الثاني : أن المراد بالحامية أنّها حمى من ارتكاب المحظورات ، وانتهاك المحارم ، لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ لكلّ ملك حمى ، وإنّ حمى اللّه في أرضه محارمه ، ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه » « 3 » . الثالث : أنها تحمي نفسها عن أن تطاق ملامستها ، وترام مماستها ، كما يحمي الأسد عرينه ؛ كقول الشاعر : [ البسيط ]
5181 - تعدو الذّئاب على من لا كلاب له * وتتّقي صولة المستأسد الحامي « 4 »
الرابع : وقيل : المراد أنّها حامية حمي غيظ وغضب مبالغة في شدة الانتقام ، كقوله تعالى
تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
[ الملك : 8 ] . قوله :
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ .
أي : حارة التي انتهى حرّها ، كقوله تعالى :
بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ
[ الرحمن : 44 ] ، و « آنية » : صفة ل « عين » ، وأمالها هشام ، لأن الألف غير منقلبة من غيرها ، بل هي أصل بنفسها ، وهذا بخلاف « آنية » في سورة : « الإنسان » ، فإن الألف هناك بدل من همزة ، إذ هو جمع : « إناء » فوزنها : « فاعلة » ، وهناك « أفعلة » ، فاتحد اللفظ واختلف التصريف ، وهذا من محاسن علم التصريف .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) سقط من ب . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 1 / 153 ) كتاب الإيمان : باب فضل من استبرأ لدينه رقم ( 52 ) وفي كتاب البيوع : باب الحلال بين والحرام بين ( 2051 ) ومسلم ( 3 / 1219 - 1220 ) كتاب المساقاة : باب أخذ الحلال وترك الشبهات ( 107 / 1599 ) من حديث النعمان بن بشير . ( 4 ) البيت للنابغة الذبياني ينظر القرطبي 20 / 21 .