تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
وقال سعيد بن جبير ، وعكرمة : هي حجارة من نار « 1 » . وقال القرطبيّ « 2 » : والأظهر أنه شجر ذو شوك حسب ما هو في الدنيا . وعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « الضريع شيء يكون في النّار : يشبه الشّوك ، أشدّ مرارة من الصّبر ، وأنتن من الجيفة ، وأحرّ من النّار سماه اللّه ضريعا » « 3 » . قال القتيبيّ : ويجوز أن يكون الضريع ، وشجرة الزقوم : نبتين من النار ، أو من جوهر لا تأكله النّار ، وكذلك سلاسل النار ، وأغلالها ، وحياتها ، وعقاربها ، ولو كانت على ما نعلم لما بقيت على النار ، وإنما دلّنا اللّه على الغائب عند الحاضر عندنا ، فالأسماء متفقة الدلالة والمعاني مختلفة ، وكذلك ما في الجنة من شجرها وفرشها . وزعم بعضهم : أنّ الضريع : ليس بنبت في النار ، ولا أنهم يأكلونه ؛ لأن الضريع من أقوات الأنعام ، لا من أقوات الناس ، وإذا وقعت الإبل فيه لم تشبع ، وهلكوا هزلا ، فأراد أن هؤلاء يقتاتون بما لا يشبعهم ، وضرب الضريع له مثلا . والمعنى أنهم يعذبون بالجوع كما يعذب من قوته الضريع . وقال الحكيم الترمذي : وهذا نظر سقيم من أهله ، يدل على أنهم تحيّروا في قدرة اللّه تعالى ، وأن الذي أنبت في هذا التراب الضريع قادر على أن ينبته في حريق النار ، كما جعل - سبحانه وتعالى - في الدنيا من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ، فلا النار تحرق الشجر ، ولا رطوبة الماء في الشجر تطفئ النار ، قال تعالى :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
[ يس : 80 ] ، وكما قيل : حين نزلت :
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ
[ الإسراء : 97 ] ، قالوا : يا رسول اللّه ، كيف يمشون على وجوههم ؟ فقال - عليه الصلاة والسلام - : « الّذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم » « 4 » ، فلا يتحيّر في مثل هذا إلا ضعيف العقل « 5 » ، أوليس قد أخبرنا أنه :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها
[ النساء : 56 ] ، وقال تعالى :
سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ
[ إبراهيم : 50 ] . وعن الحسن : لا أدري ما الضريع ، ولم أسمع فيه من الصحابة شيئا . قال ابن كيسان : هو طعام يضرعون عنده ، ويذلون ، ويتضرعون منه إلى اللّه تعالى ، طلبا للخلاص منه ، فسمي بذلك ؛ لأن آكله يتضرع في أن يعفى منه ، للكراهة وخشونته . قال أبو جعفر النحاس : قد يكون مشتقا من الضارع ، وهو الذليل ، أي : ذو ضراعة ، أي : من شربه ذليل تلحقه ضراعة .
هامش
( 1 ) ينظر المصدر السابق . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن 20 / 22 . ( 3 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 20 / 21 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) في أ : القلب .