تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
« للمطففين » ، لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد ، وذلك أن المعنى : إذا أخذوا من الناس استوفوا ، وإذا أعطوهم أخسروا ، وإن جعلت الضمير « للمطففين » انقلب إلى قولك : إذا أخذوا من الناس استوفوا ، وإن تولوا الكيل ، أو الوزن هم على الخصوص أخسروا ، وهو كلام متنافر ؛ لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر » . قال أبو حيان « 1 » : ولا تنافر فيه بوجه ، ولا فرق بين أن يؤكد الضمير ، وألّا يؤكد ، والحديث واقع في الفعل ، غاية ما في هذا أن متعلّق الاستيفاء ، وهو « على الناس » مذكور ، وهو في
« كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ »
محذوف للعلم به ؛ لأنّه من المعلوم أنهم لا يخسرون ذلك لأنفسهم . قال شهاب الدين « 2 » : الزمخشري يريد أن يحافظ على أنّ المعنى مرتبط بشيئين : إذا أخذوا من غيرهم ، وإذا أعطوا غيرهم ، وهذا إنّما فهم على تقدير أن يكون الضمير منصوبا عائدا على الناس ، لا على كونه ضمير رفع عائدا على « المطففين » ، ولا شك أن هذا المعنى الذي ذكره الزمخشري وأراده أتم وأحسن من المعنى الثاني ، ورجّح الأول سقوط الألف بعد الواو ؛ لأنه دال على اتصال الضمير . إلّا أن الزمخشري استدرك فقال « 3 » : « والتعلق في إبطاله بخط المصحف ، وأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه ركيك ؛ لأن خط المصحف لم يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الخط على أني رأيت في الكتب المخطوطة بأيدي الأئمة المتقنين هذه الألف مرفوضة ، لكونها غير ثابتة في اللفظ والمعنى جميعا ؛ لأن الواو وحدها معطية معنى الجمع ، وإنما كتبت هذه الألف تفرقة بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك : « هم لم يدعوا ، وهو يدعو » ، فمن لم يثبتها قال : المعنى كاف في التفرقة بينهما ، وعن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا يرتكبان ذلك ، أي : يجعلان الضميرين « للمطففين » ، ويقفان عند الواوين وقيفة ، يبينان بها ما أرادوا » . ولم يذكر فعل الوزن أوّلا ، بل اقتصر على الكيل ، فقال :
« إِذَا اكْتالُوا »
، ولم يقل : إذا اتزنوا ، كما قال ثانيا :
« أَوْ وَزَنُوهُمْ »
. قال ابن الخطيب « 4 » : لأن الكيل والوزن بهما البيع والشراء ، فأحدهما يدل على الآخر . وقال الزمخشريّ « 5 » : « كأنّ المطففين كانوا لا يؤخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين ، لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء ، والسرقة ؛ لأنهم يدعدعون ويحتالون في الملء ، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين جميعا » . قوله : « يخسرون » جواب « إذا » ، وهو يتعدّى بالهمزة ، يقال : خسر الرجل وأخسرته
هامش
( 1 ) البحر المحيط 8 / 431 . ( 2 ) الدر المصون 6 / 491 . ( 3 ) الكشاف 4 / 720 . ( 4 ) الفخر الرازي 31 / 81 . ( 5 ) الكشاف 4 / 720 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 208 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب