فصل في الالتفات في هذه الآية
قال ابن الخطيب « 1 » : قوله تعالى :
فَذُوقُوا
يفيد معنى التعليل ، وهو التفات من الغيبة للخطاب ، فهو دالّ على الغضب ، وفيه مبالغات : منها أنّ « لن » للتأكيد ، ومنها الالتفات ، ومنها إعادة قوله : « فذوقوا » بعد ذكر العذاب ، قال أبو برزة رضي اللّه عنه :
سألت النبي صلى اللّه عليه وسلم عن أشد آية في القرآن ، قال عليه الصلاة والسلام : قوله تعالى :
فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً
[ النبأ : 56 ] أي :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها
« 2 » [ النساء :
56 ] ، و
كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً
[ الإسراء : 97 ] .
قوله تعالى :
ش [ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 31 إلى 37 ]
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً ( 31 ) حَدائِقَ وَأَعْناباً ( 32 ) وَكَواعِبَ أَتْراباً ( 33 ) وَكَأْساً دِهاقاً ( 34 ) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً ( 35 )
جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً ( 36 ) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً ( 37 )
قوله تعالى :
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً .
تقدم تفسير المتقين ، و « المفاز » : يحتمل أن يكون مصدرا ، بمعنى : فوزا وظفرا بالنعمة ، ويحتمل أن يكون المراد فوزا بالنجاة من العذاب ، ولذلك قيل للفلاة إذا قل ماؤها : مفازة ، تفاؤلا بالخلاص منها ، وأن يكون مجموع الأمرين .
وقال الضحاك « 3 » : منتزها .
قوله :
حَدائِقَ
يجوز أن يكون بدلا من « مفازا » بدل اشتمال ، أو بدل كلّ من كل مبالغة في أن جعل نفس هذه الأشياء مفازا .
ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار « أعني » ، وإذا كان مفازا بمعنى الفوز ، فيقدّر مضاف ، أي فوز حدائق ، وهي جمع حديقة ، وهي البستان المحوط عليه ، ويقال : أحدق به أي أحاط .
والأعناب : جمع عنب ، أي : كروم أعناب ، فحذف ، والتنكير في قوله تعالى :
وَأَعْناباً
يدل على تعظيم تلك الأعناب .
قوله تعالى :
وَكَواعِبَ أَتْراباً .
الكواعب : جمع كاعب ، وهي من كعب ثديها وتفلك ، أي يكون الثدي في النتوء كالكعب والفلكة ، وهي النّاهد ، يقال : كعبت الجارية تكعب
هامش
( 1 ) السابق .
( 2 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 6 / 504 ) ، عن أبي برزة موقوفا وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه .
( 3 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 4 / 439 ) ، عن الضحاك .