تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
الثالث : أن يكون منصوبا على الحال ، بمعنى مكتوبا في اللوح المحفوظ ، لقوله تعالى :
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ
[ يس : 12 ] . وقيل : أراد ما كتبته الملائكة الموكلون بالعباد ، بأمر اللّه - تعالى - إياهم بالكتابة ، لقوله تعالى :
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ
[ الانفطار : 10 ، 11 ] .

فصل في المراد بالإحصاء

معنى
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ
أي : علمنا كلّ شيء علما كما هو لا يزول ، ولا يتبدل ونظيره قوله تعالى :
أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ
[ المجادلة : 6 ] . قال ابن الخطيب « 1 » : وهذه الآية لا تقبل التأويل ، لأن اللّه - تبارك وتعالى - ذكر هذا تقديرا لما ادعاه من قوله تعالى :
« جَزاءً وِفاقاً »
، كأنه تعالى قال : أنا عالم بجميع ما فعلوه ، وعالم بجهات تلك الأفعال ، وأحوالها ؛ واعتباراتها التي لأجلها يحصل استحقاق الثواب والعقاب ، فلا جرم لا أوصل إليهم من العذاب إلّا قدر ما يكون وفاقا لأعمالهم ، وهذا القدر إنما يتمّ بثبوت كونه عالما بالجزئيّات ، وإذا ثبت هذا ظهر أن كل من أنكره كافر قطعا . قوله تعالى :
فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً .
قال ابن الخطيب « 2 » : هذه « الفاء » للجزاء ، فنبّه على أنّ الأمر بالذوق معلّل بما تقدم شرحه من قبائح أفعالهم ، فهذه « الفاء » أفادت عين فائدة قوله : « جزاء وفاقا » . فإن قيل : أليس أنه - تعالى - قال في صفة الكفار :
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
[ البقرة : 174 ] . فها هنا لمّا قال تعالى لهم : « فذوقوا » ، فقد كلّمهم ؟ . فالجواب : قال أكثر المفسرين : ويقال لهم : « فذوقوا » . ولقائل أن يقول : قوله :
فَلَنْ نَزِيدَكُمْ
لا يليق إلا باللّه ، والأقرب في الجواب أن يقال : قوله :
وَلا يُكَلِّمُهُمُ
[ آل عمران : 77 ] معناه : ولا يكلمهم بالكلام الطيب النافع ، فإن تخصيص العموم سائغ عند حصول القرينة ، فإن قوله :
وَلا يُكَلِّمُهُمُ
إنما ذكره لبيان أنّه - تعالى - لا يقيم لهم وزنا ، وذلك لا يحصل إلا من الكلام الطيب . فإن قيل : إن كانت هذه الزيادة غير مستحقة كانت ظلما ، وإن كانت مستحقة كان تركها في أول الأمر إحسانا ، والكريم لا يليق به الرجوع في إحسانه . والجواب : أنّها مستحقة ، ودوامها زيادة لفعله بحسب الدوام ، وأيضا : فترك المستحق في بعض الأوقات لا يوجب الإبراء والإسقاط .
هامش
( 1 ) الفخر الرازي 31 / 17 . ( 2 ) ينظر الفخر الرازي 31 / 18 .