تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
وقرأ عمر « 1 » بن عبد العزيز والماجشون : « كذابا » بضم الكاف وتشديد الذال ، وفيها وجهان : أحدهما : أنه جمع كاذب ، نحو : ضراب « في » ضارب ، وعلى هذا ، فانتصابه على الحال المؤكدة ، أي : وكذبوا في حال كونهم كاذبين . قاله أبو البقاء . والثاني : أنّ « الكذّاب » بمعنى الواحد البليغ في الكذب ، يقال : رجل كذاب ، كقولك : حسان ، فيجعل وصفا لمصدر كذبوا : أي تكذيبا لهم كذابا مفرطا كذبه . قاله الزمخشري . قال القرطبي « 2 » : وفي « الصّحاح » : وقوله تعالى :
وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً
وهو أحد مصار المشدد ؛ لأن مصدره قد يجيء على « تفعلة » مثل « توصية » ، وعلى « مفعّل » مثل :
وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
[ سبأ : 19 ] . قوله تعالى :
وَكُلَّ شَيْءٍ
العامة على النصب على الاشتغال ، وهو الراجح ، لتقدم جملة فعلية . وقرأ أبو السمال « 3 » : برفع « كل » على الابتداء ، وما بعده الخبر وهذه الجملة معترض بها بين السبب والمسبب ، لأنّ الأصل :
« وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً »
ف « ذوقوا » مسبّب عن تكذيبهم . قوله : « أحصيناه » . فيه أوجه : أحدها : أنه مصدر من معنى أحصينا ، أي إحصاء ، فالتجوّز في نفس المصدر . الثاني : أنه مصدر ل « أحصينا » لأنّه في معنى : « كتبنا » فالتجوّز في نفس الفعل . قال الزمخشري : « لانتفاء الإحصاء » ، والكتبة في معنى الضبط ، والتحصيل . قال ابن الخطيب « 4 » : وإنّما عدل عن تلك اللفظة إلى هذه اللفظة ؛ لأن الكتابة هي النهاية في قوة العلم ، ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « قيّدوا العلم بالكتابة » ، فكأنّه تعالى قال :
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً
إحصاء في القوة والثبات والتأكّد ، كالمكتوب ، والمراد من قوله : « كتابا » تأكيد ذلك الإحصاء والعلم ، وهذا التأكيد إنّما ورد على حسب ما يليق بأفهام أهل الظاهر ، فإن المكتوب يقبل الزوال ، وعلم اللّه - تعالى - بالأشياء لا يقبل الزوال ؛ لأنّه واجب لذاته .
هامش
( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 5 / 427 ، والبحر المحيط 8 / 406 . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن 19 / 119 . ( 3 ) ينظر : الكشاف 4 / 690 ، والبحر المحيط 8 / 406 ، والدر المصون 6 / 466 . ( 4 ) ينظر : الفخر الرازي 31 / 18 .