[ سورة المنافقون ( 63 ) : آية 8 ]
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 8 )
قوله :
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا
.
قد تقدم سبب النزول ، وأن ابن أبي قال : لا تنفقوا على من عند محمد
« حَتَّى يَنْفَضُّوا »
أي يتفرقوا عنه ، فأعلمهم اللّه سبحانه وتعالى أن خزائن السماوات والأرض له ينفق كيف يشاء « 1 » .
قال رجل لحاتم الأصم : من أين تأكل ؟ فقال :
وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
.
وقال الحسن :
« خَزائِنُ السَّماواتِ »
الغيوب ، وخزائن الأرض القلوب ، فهو علّام الغيوب ومقلب القلوب « 2 » .
قوله :
يَنْفَضُّوا
.
قرأ العامّة : « ينفضّوا » من الانفضاض وهو التفرق .
وقرأ الفضل بن عيسى « 3 » الرقاشي : « ينفضوا » من أنفض القوم ، فني زادهم .
ويقال : نفض الرجل وعاءه من الزاد فانفضّ .
فيتعدى دون الهمزة ولا يتعدى معها ، فهو من باب « كببته فانكبّ » .
قال الزمخشري « 4 » : وحقيقته جاز لهم أن ينفضوا مزاودهم .
ثم قال تعالى :
وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ
أنه إذا أراد أمرا يسره « 5 » .
قوله :
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
.
القائل ابن أبيّ ، كما تقدم .
وقيل : إنه لما قال :
لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
ورجع إلى المدينة لم يلبث إلا أياما يسيرة حتى مات ، فاستغفر له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وألبسه قميصه ، فنزل قوله :
لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
.
وروي أن عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي ابن سلول قال لأبيه : واللّه الذي لا إله إلا هو لا تدخل المدينة حتى تقول : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو الأعزّ وأنا الأذلّ ، فقاله .
توهموا أن العزة لكثرة الأموال والأتباع فبيّن اللّه - تعالى - أنّ العزّة والمنعة والقوّة للّه « 6 » .
هامش
( 1 ) ينظر : القرطبي 18 / 84 .
( 2 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 18 / 84 ) .
( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 5 / 314 ، والبحر المحيط 8 / 270 ، والدر المصون 6 / 322 .
( 4 ) ينظر : الكشاف 4 / 543 .
( 5 ) ينظر : القرطبي 18 / 84 .
( 6 ) ينظر السابق .