فصل في ختم الآية ب « لا يَفْقَهُونَ »
قال ابن الخطيب « 1 » : فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى ختم الآية الأولى بقوله :
« لا يَفْقَهُونَ »
وختم الثّانية بقوله :
« لا يَعْلَمُونَ »
؟ .
فالجواب : ليعلم بالأولى قلة كياستهم وفهمهم ، وبالثانية حماقتهم وجهلهم ، ولا يفقهون من فقه يفقه ، كعلم يعلم ، أو من فقه يفقه ، كعظم يعظم ، فالأول لحصول الفقه بالتكلّف ، والثاني لا بالتكلّف ، فالأول علاجيّ ، والثاني مزاجي .
قوله تعالى :
[ سورة المنافقون ( 63 ) : الآيات 9 إلى 11 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 9 ) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 10 ) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 11 )
قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
.
حذّر المؤمنين أخلاق المنافقين ، أي : لا تشتغلوا بأموالكم كما فعل المنافقون إذ قالوا - لأجل الشّحّ - بأموالهم - :
لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا
.
وقوله :
عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
.
أي : عن الحجّ والزكاة .
وقيل : عن قراءة القرآن .
وقيل : عن إدامة الذكر .
وقال الضحاك : عن الصلوات الخمس « 2 » .
وقال الحسن : عن جميع الفرائض « 3 » ، كأنه قال : عن طاعة اللّه .
وقيل : هذا خطاب للمنافقين ، أي : آمنتم بالقول فآمنوا بالقلب ،
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ
يشتغل بالمال والولد عن طاعة ربه
فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
.
قوله :
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ
.
قال ابن عباس : يريد زكاة الأموال « 4 » .
هامش
( 1 ) ينظر : التفسير الكبير 30 / 17 .
( 2 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 6 / 340 ) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
وأخرجه الطبري في « تفسيره » ( 12 / 109 ) .
( 3 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 18 / 84 ) .
( 4 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 30 / 17 ) عن ابن عباس .