تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
حيث النّحو ، فلأن الحقائق لا يوصف بها ، فلا يقال : جسم رجل جاءني ، كما يقال : جسم ناطق جاءني ؛ لأنّ الوصف يقوم بالموصوف والحقيقة تقوم بنفسها لا بغيرها « 1 » . فقولنا : عالم أي شيء له علم « 2 » .

فصل [ في الفرق بين « الخشية » و « الخوف » ]

والخشية والخوف معناهما واحد عند أهل اللغة ، لكن بينهما فرق ، وهو أن الخشية خوف من عظمة المخشيّ ، لأن تركيب حروف « ش ي خ » في تقاليبها يلزمه معنى الهيبة ، يقال : شيخ للسّيّد وللرجل الكبير السّنّ ، وهما جميعا مهيبان والخوف خشية من ضعف الخاشي ، لأنّ تركيب « خ وف » في تقاليبها يدل على الضعف ، ويدل على ذلك أنه حيث كان الخوف من عظمة المخشيّ قال تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] ، وقال :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
[ الحشر : 21 ] وقال :
هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
[ المؤمنون : 57 ] مع أن الملائكة والجبل أقوياء وحيث كان الخوف من ضعف الخاشي سماه خوفا قال تعالى :
أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا
[ فصلت : 30 ] أي بسبب مكروه يلحقكم في الآخرة . وقال تعالى :
خائِفاً يَتَرَقَّبُ
[ القصص : 18 ] وقال : « إنّي أخاف أن يقتلون » « 3 » لوحدته وضعفه هذا في أكثر الاستعمال وربما يتخلف ( المدّعى عنه لكن الكثرة كافية ) « 4 » .

فصل [ في معنى الآية : « مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ »

] معنى الآية من خاف الرحمن فأطاعه بالغيب ، ولم يره . وقال الضّحاك والسّدي : يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد . قال الحسن : إذا أرخى الستر وأغلق الباب .
« وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ »
هذه صفة مدح ، لأن شأن الخائف أن يهرب ، فأما المتقي فجاء ربه لعلمه أنه لا ينجي الفرار منه « 5 » . وقوله :
« مُنِيبٍ »
أي مخلص مقبل على طاعة اللّه تعالى . والباء في
« بِقَلْبٍ »
إما للتعدية « 6 » ، وإما للمصاحبة « 7 » ، وإما للسببية « 8 » .
هامش
( 1 ) وكل ما يقع وصفا للغير يكون معناه شيء له كذا . ( 2 ) وتلك من المقولات الفلسفية التي اشتهر بها الإمام الفخر الرازي وتوضيح الكلام أن من خشي عند الرازي وقصده حقيقة لا تقوم بغيرها فهي غير تامة . وانظر تفسيره 28 / 177 . ( 3 ) الأصحّ قرآنيا :فَأَخافُ *وهي 14 من الشعراء و 33 من القصص . ( 4 ) زيادة من الرازي لتحقيق المراد وتوضحيه وانظر الرازي المرجع السابق . ( 5 ) البغوي 6 / 238 والقرطبي 17 / 21 . ( 6 ) أي أحضر قلبا سليما . ( 7 ) أي مع قلب . ( 8 ) وهي الأعرف . وانظر الرازي المرجع السابق . والسببية معناها جاء بسبب قلبه المنيب .