تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
المرة . والمعنى : أن الماء مقسوم بينهم فوصف بالمصدر مبالغة ، كقولك : فلان عين الكرم . قوله :
« كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ »
أي يحضره من هوله ، فالناقة تحضر الماء يوم ورودها وتغيب عنهم يوم ورودهم . قاله مقاتل . وقال مجاهد : إن ثمود يحضرون الماء يوم غبّها عنهم فيشربون ، ويحضرون اللبن يوم ورودها فيحتلبون « 1 » . والشّرب - بالكسر - الحظ من الماء . وفي المثل : آخرها أقلّها شربا وأصله من سقي الإناء « 2 » ، لأن آخرها يرد وقد نزف الحوض « 3 » . واعلم أن قسمة الماء إما لأن الناقة عظيمة الخلق ينفر منها حيواناتهم فكان يوم للناقة ويوم لهم ، وإما لقلة الماء فلا يحملهم ، وإما لأن الماء كان مقسوما بينهم لكل فريق منهم فيوم ورود الناقة على هؤلاء يرجعون على الآخرين وكذلك الآخرون فيكون النّقصان على الكل ، ولا تختص الناقة بجميع الماء . روي أنهم كانوا يكتفون في يوم ورودها بلبنها ، وليس في الآية إلا القسمة دون كيفيتها ، وظاهر قوله تعالى :
كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ
يعضد الوجه الثالث ، وحضر واحتضر بمعنى واحد . قوله :
« فَنادَوْا صاحِبَهُمْ »
قبله محذوف أي فتمادوا على ذلك ثم عزموا على عقرها فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر . و « تعاطى » مطاوع عاطى كأنهم كانوا يتدافعون ذلك حتى تولاه أشقاها . والمعنى فنادوا صاحبهم نداء المستغيث وهو قدار بن سالف وكان أشجعهم . وقيل : كان رئيسهم . فتعاطى أي آلة العقر أو الناقة ، أو هو عبارة عن الإقدام على الفعل العظيم . وتحقيقه أن الفعل العظيم يتبرأ منه كلّ أحد ويعطيه صاحبه أو جعلوا له جعلا فتعاطاه . قال محمّد بن إسحاق : كمن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها فانتظم به عضلة ساقها ثم شد عليها بالسيف فكشف عرقوبها فخرت ورغت رغاة واحدة ، ثم نحرها . قال ابن عباس : كان الذي عقرها أحمر أشقر أكشف أقعى يقال له : قدار بن سالف . والعرب تسمي الجزّار قدارا تشبيها بقدار بن سالف مشؤوم آل ثمود « 4 » ، قال مهلهل :
4604 - إنّا لنضرب بالسّيوف رؤوسهم * ضرب القدار نقيعة القدّام « 5 »
هامش
( 1 ) وانظر القرطبي 17 / 141 . ( 2 ) الصحيح : الإبل وليس الإناء . ( 3 ) وانظر اللسان « شرب » 2222 . ( 4 ) القرطبي 17 / 140 و 141 . ( 5 ) من الكامل لمهلهل ويروى صدره :إنا لنضرب بالصّوارم هامهم