تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
والمعنى
« سَيَعْلَمُونَ غَداً »
حين ينزل عليهم العذاب . قال الكلبي : يعني يوم القيامة . وذكر الغد للتقريب على عادة الناس يقولون : إنّ مع اليوم غدا « 1 » .

فصل [ في معنى الآية : « إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ »

] الكذّاب فعال صيغة مبالغة ، لأن المنسوب إلى الشيء لا بدّ له من أن يكثر من مزاولة الشيء ، فإنّ من خاط يوما لا يقال له : خيّاط فالمبالغة ههنا إما في الكثرة بأن يكون كثير الكذب ، وإمّا في الشدة أي شديد الكذب ، يقول ما لا يقبله العقل . ويحتمل أن يكونوا وصفوه بذلك لاعتقادهم الأمرين جميعا . وقولهم « أشر » إشارة إلى أنه كذب لا لضرورة وحاجة وإنما هو استغنى فبطر وطلب الرّئاسة « 2 » . قوله :
« إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ »
أي مخرجوها من الهضبة التي سألوا . وأتى باسم الفاعل والإضافة مبالغة في حقيقته كأنه وقع « فتنة » مفعول به ، أو مصدر من معنى الأول أو في موضع الحال . روي أنهم تعنتوا على صالح فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء ، فقال اللّه :
« إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ »
محنة واختبارا ؛ فقوله : « فتنة » مفعول له ؛ لأن المعجزة فتنة ؛ لأن بها يتميز المثاب من المعذب ، فالمعجزة تصديق ، وحينئذ يفترق المصدّق من المكذّب . أو يقال : إخراج الناقة من الصخرة معجزة ، ودورانها بينهم ، وقسمة الماء كان فتنة ، ولهذا قال :
« إِنَّا مُرْسِلُوا »
ولم يقل : مخرجو . قوله :
« فَارْتَقِبْهُمْ »
أي انتظر ما يصنعون
« وَاصْطَبِرْ »
أي اصبر على أذاهم وأصل الطاء في « اصطبر » « تاء » فتحولت طاء ، لتكون موافقة للصاد في الإطباق . قوله :
« وَنَبِّئْهُمْ »
أي أخبرهم
« أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ »
أي بين آل ثمود وبين الناقة لها يوم ولهم يوم ، كقوله تعالى :
لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
فالضمير في ( بينهم ) لقوم صالح والناقة فغلّب العاقل « 3 » . وقرأ العامة : قسمة بكسر القاف - وروي عن أبي عمرو فتحها « 4 » - وهو قياس
هامش
- التالي ليومه مباشرة . وانظر القرطبي 17 / 139 والبحر 8 / 180 وأمالي الشجري 1 / 247 و 256 و 268 ، والمغني 94 وشرح شواهده للسيوطي 274 وفتح القدير 5 / 126 وروح المعاني 27 / 88 . ( 1 ) ذكره البغوي في معالم التنزيل 6 / 276 . ( 2 ) بالمعنى من تفسير الإمام 15 / 52 . ( 3 ) وانظر الرازي السابق وتفسير البغوي والخازن 6 / 276 . ( 4 ) لم ترد عنه في المتواتر فقد قال أبو حيان في البحر 8 / 181 : « ومعاذ عن أبي عمرو بفتحها » .