تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
الإنذارات التي هي نعم ورحمة تواترت ، فلما لم ينفع « 1 » وقع العذاب دفعة واحدة فكانت النعم كثيرة والنقمة واحدة . قوله تعالى :

[ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 23 إلى 32 ]

كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ( 23 ) فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 24 ) أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ( 25 ) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ( 26 ) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ( 27 ) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ( 28 ) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ ( 29 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 30 ) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ( 31 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 32 ) قوله :
« كَذَّبَتْ ( ثَمُودُ بِالنُّذُرِ »
اعلم أنّه تعالى لم يقل في قوم نوح : كذّبت قوم نوح ) « 2 » بالنذر » وكذلك في قصة عاد . لأن المراد بقوله :
« كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ »
أن عادتهم إنكار الرسل وتكذيبهم فكذبوا نوحا على مذهبهم وعادتهم . وإنما صرح ههنا ، لأن كل قوم يأتون بعد قوم ، فالمكذّب المتأخر يكذب المرسلين جميعا حقيقة ، والأولون يكذبون رسولا واحدا حقيقة ويلزم منه تكذيب من بعده تبعا ، ولهذا المعنى قال في قوم نوح :
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ
[ الشعراء : 105 ] وقال في عاد :
وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ
[ هود : 59 ] فذكر بلفظ الجمع المستغرق ثم إنه تعالى قال عن نوح :
رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ
[ الشعراء : 117 ] ولم يقل : كذّبوا رسلك إشارة إلى ما صدر منهم حقيقة لا إلى ما لزم منه ، وقوله تعالى :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ
إن قلنا : إن النذر هم الرسل فهو كما تقدم ، وإن قلنا : إن النذر هي الإنذارات فنقول « 3 » : قوم نوح وعاد لم تستمر المعجزات التي ظهرت في زمانهم . وأما ثمود فأنذروا وأخرج لهم ناقة من صخرة وكانت تدور بينهم وكذبوا فكان تكذيبهم بإنذارات وآيات ظاهرة فصرّح بها « 4 » . قوله :
« أَ بَشَراً »
منصوب على الاشتغال وهو الراجح ، لتقدم أداة « 5 » هي بالفعل أولى . و « منّا » نعت له . و « واحدا » فيه وجهان : أظهرهما : أنه نعت « لبشرا » إلا أنه يشكل عليه تقديم الصفة المؤولة « 6 » على
هامش
( 1 ) في ب يقع . ( 2 ) ما بين القوسين سقط من أالأصل ؛ بسبب انتقال النظر . ( 3 ) في ب فيقولون . ( 4 ) قال بهذه الإعمالات العقلية الاجتهادية فخر الدين الرازي في مرجعه السابق . ( 5 ) وهي أداة الاستفهام . والتقدير : أنتّبع بشرا نتّبعه ؟ ( 6 ) وهي منّا أي كائنا منّا فإن الجار والمجرور والظرف لهما متعلّق دوما .