تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
فإن قيل : كان ينبغي أن يكون بصيغة الماضي . فالجواب : وبصيغة المستقبل أيضا كأنه يفرض الزمان ( بعد ) « 1 » زمان الكلام كقوله تعالى :
وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ
[ الكهف : 18 ] . الثاني : أن يكون المراد عامة الكفار . وقرأ عبد اللّه وابن عباس وطلحة وعيسى بن عمر وابن وثاب : بالخطاب « 2 » . وهو حسن موافق . فإن قيل : كيف ذمهم على اتّباع الظّنّ ونحن مأمورون باتباعه في الفقه ، وقال - عليه الصلاة والسلام - حكاية عن اللّه تعالى أنه قال : أنا عند ظنّ عبدي ؟ فالجواب : أن الظن خلاف العلم وقد استعمل مجازا مكان العلم والعلم مكانه وأصل العلم الظهور ومنه العالم . وحروف العلم في تقاليبها فيها معنى الظهور منها لمع البرق إذا ظهر ، ولمع الغزال إذا عدا ، وكذلك علمت . والظن إذا كان في مقابلة العلم ففيه الخفاء ومنه بئر ظنون لا يدرى أفيه « 3 » ماء أم لا ؛ لخفاء الأمر فيه ودين ظنون « 4 » يخفى الأمر فيه فنقول : يجوز بناء الأمر على الظن عند العجز عن درك اليقين ، وأما الاعتقاد فليس كذلك ، لأن اليقين لم يتعذّر علينا . وإلى هذا أشار بقوله :
« وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى »
أي اتبعوا الظن وقد أمكنهم الأخذ باليقين . وفي العمل يمتنع ذلك أيضا . واللّه أعلم « 5 » . قوله :
( وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ )
نسق على ( الظّن ) و « ما » مصدرية ، أو بمعنى الذي . والمراد بما تهوى الأنفس هو ما زين لهم الشيطان . قوله :
( وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى )
يجوز أن يكون حالا من فاعل ( يتّبعون ) أي يتّبعون الظنّ وهوى النفس في حال تنافي ذلك وهي مجيء الهدى من عند ربهم . ويجوز أن يكون اعتراضا فإن قوله :
« أَمْ لِلْإِنْسانِ »
متصل بقوله :
« وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ »
، وهي أم المنقطعة ، فتقدر ببل والهمزة على الصّحيح « 6 » . قال الزمخشري : ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي ليس للإنسان « 7 » ما تمنى .
هامش
( 1 ) زيادة من الرازي وساقطة من النسختين . ( 2 ) هذه القراءات شاذة غير متواترة ذكرها أبو حيان في البحر 8 / 162 و 163 والزمخشري في الكشاف دون نسبة 4 / 31 والقرطبي في الجامع 17 / 103 و 104 ونسبها لأيوب وابن السميقع أيضا 17 / 103 و 104 . ( 3 ) كذا في النسختين وفي الرازي : أفيها بتأنيث البئر . ( 4 ) وانظر اللسان ظنن وكذلك المحكم . اللسان 2764 . ( 5 ) وانظر الرازي 28 / 301 . ( 6 ) بالمعنى من الرازي 28 / 301 و 302 . ( 7 ) الكشاف 4 / 31 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 187 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب