تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
فإن قيل : كيف قال : سميتموها أنتم مع أن هذه الأسماء موضوعة قبلنا ؟ فالجواب : أن كل من نطق بهذه الألفاظ فهو كالمبتدىء الواضع ؛ لأن الواضع الأول لهذه الأسماء لما لم يكن واضعا بدليل نقلي أو عقلي لم يجب اتباعه ولا يجوز فصار هو كالمبتدىء ؛ إذ لا مقتدى له . فإن قيل : الأسماء لا تسمّى وإنما يسمى بها فكيف قال : أسماء سميتموها ؟ فالجواب من وجهين : الأول : أن التسمية وضع الاسم فكأنه قال : أسماء وضعتموها ، فاستعمل سمّيتموها استعمال وضعتموها . الثاني : لو قال : أسماء سمّيتم بها لكان هناك غير الاسم شيء يتعلّق به الباء في قولك بها ؛ لأن قول القائل : سميت به يستدعي دخولا آخر ، تقول : سميت بزيد ابني أو عبدي أو غير ذلك فيكون قد جعل للأصنام اعتبارا . فإن قيل : هذا باطل بقوله تعالى :
وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ
[ آل عمران : 36 ] حيث لم يقل : وإنّي سمّيتها بمريم ولم يكن ما ذكرت مقصودا وإلا لكانت مريم غير ملتفت إليها كما قلت في الأصنام . فالجواب : بينهما بون عظيم ؛ لأن هناك قال : سمّيتها مريم فذكر المفعولين فاعتبر حقيقة مريم بقوله : سميتها واسمها بقوله : مريم ، وأما ههنا فقال :
« إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ »
موضوعة فلم تعتبر الحقيقة ههنا واعتبرها في مريم « 1 » . قوله :
( ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ )
أي حجة بما يقولون : إنها آلهة . واستعملت الباء في قوله ( بها ) كقولك : ارتحل فلان بأهله ومتاعه أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع . كذلك ههنا « 2 » قوله :
« إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ »
هذا رجوع إلى الخبر بعد المخاطبة فقال : إن يتّبعون إلّا الظّنّ في قولهم : إنها آلهة . قرأها العامة على الغيبة التفاتا من خطابهم إلى الغيبة عنهم تحقيرا لهم ، كأنه قطع الكلام معهم وقال لنبيّه : إنهم لا يتبعون إلا الظن فلا تلتفت إلى قولهم . ويحتمل أن يكون المراد غيرهم ، وفيه وجهان : الأول : أن يكون المراد آباءهم كأنه تعالى قال : سمّيتموها أنتم وآباؤكم فكأنهم قالوا : هذه الأسماء لم نضعها نحن ، وإنّما تلقيناها من آبائنا فقال : وسمّاها آباؤكم وما يتبعون إلّا الظّنّ « 3 » .
هامش
( 1 ) وانظر تفسير الإمام 28 / 299 و 300 . ( 2 ) المرجع السابق . ( 3 ) ذكر هذه التحليلات والتوجيهات الإمام فخر الدين في مرجعه السّابق أيضا .